الصفحة 1578 من 1760

فحرمها ولم ير الرسول في هذا أي حرج لأنه لم يخرج عن كونه امتناعًا عن الاستمتاع بأمته وقال لها لا تذكري ذلك لأحد. فلما خرج طرقت الجدار الذي بينها وبين عائشة وكانتا متصافيتين متظاهرتين دائمًا على سائر أزواجه فقالت لها ألا أبشرك؟ رسول الله قد حرم عليه أمته مارية وقد أراحنا الله منها واستكتمتها الخير ولعلها لم تروها السبب في ذلك فأظهر الله نبيه بما حدث حيث أنزل هذه الآية وما بعدها وفي هذا ما يصور لنا مبلغ تأثير المرأة في الرجل إلى حد أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم قد حاول إرضاء السيدة حفصة فحرم على نفسه ما أحل الله له من الاتصال الجنسي بأم ولده إبراهيم من أجلها وعدم تقديرها لذلك إذ أباحت بما طالبها لقاء ذلك من أن تغتفر له زلته بالنسبة لها أو على الأقل أن تسترها عليه فلا تذكر ذلك لأحد فلم تفعل فما كان من رب العزة إلا أن عاتبه على ذلك ثم قال: {وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} إشارة إلى أن حفصة إذ لم تغفر لك أمرًا هو من حقك وإنما حرمته أنت على نفسك إرضاء لها فإن في غفران الله ورحمته ما يغنيك عن هذا فلا تلتمس غيره، وكنتيجة لهذا حث رسوله على التكفير عن خطيئته هذه بالتحلل من يمينه التي أقسمها بعد الاتصال بمارية المرأة الضعيفة التي حرمها الرسول على نفسه من غير ذنب جنته فقال: {قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} أي أن الله يوجب عليكم أن لا تحرموا على أنفسكم شيئًا لم يحرمه عليكم وإذا حرمتوه بالقسم بذاته العلية فلتتحللوا منه بالكفارة التي وضحها الله في سورة المائدة: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .

{وَاللهُ مَوْلاكُمْ} وهو وحده صاحب الحق في التحليل والتحريم: {وَهُوَ الْعَلِيمُ} بحقائق الأمور: {الْحَكِيمُ} الذي قصد من هذا الحادث تشريعًا للناس في مستقبلهم، وما إن نزلت هذه الآيات حتى حزن الرسول صلى الله عليه وسلم على ما فرط منه وكفر يمينه وأهمل جميع نسائه إرضاء لله ونكالًا بمن شمت في مارية ومكث تسعًا وعشرين ليلة في بيت مارية وطلق حفصة تأديبًا لها فأنزل الله السورة السابقة في أحكام الطلاق وأمره بمراجعتها فإنها صوامة قوامة فأعادها إلى عصمته وبين الله السبب في طلاقها فقال: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ} وهي حفصة: {حَدِيثًا} هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت