ويتولى رضاع الطفل غير أمه وهنا أوضح الله المقدار الذي يحق للمطلقة أن تتخذه معيارًا لما تطلب من أجر فقال: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} هذا أمر من الله بأن يوسع الرجال أصحاب الأعمال الحرة كالتاجر والمصانع والزارع على أمهات أولادهم المرضعات لهم بقدر ما يتناسب مع أرباحهم زيادة ونقصًا: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} أي ومن كان رزقه محددًا ومقدرًا كالموظفين أصحاب الأملاك محدودة الريع والطبقة الفقيرة: {فَلْيُنفِقْ} كل واحد من هؤلاء: {مِمَّا آتَاهُ اللهُ} أي جزءًا من أجره ووارده أو كسبه اليومي: {لا يُكَلِّفُ} أي لا يلزم: {اللهُ نَفْسًا} بأداء حق لله أو للعباد: {إِلاَّ مَا آتَاهَا} أي لا بقدر ما أعطاها من قوة فلا يكلف الفقير مثل الغني وهو سبحانه واسع الفضل عظيم الإحسان ولأجل أن يشجع الله الناس على الإنفاق وينهاهم على الاعتماد على مجرد ما تحت أيديهم من الأموال الأمر الذي قد يحملهم على الشح كشف الله لهم عن سر من أسراره الخفية وما قضى به في خلقه فقال: {سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} أي أنه من سننه في رزق عباده أنه جلت قدرته سيعقب العسر دائمًا باليسر فدوام الحال من المحال ونهاية الشدة بداية الفرج فلا محل لليأس من رحمته وقد ورد في الحديث «إن أفضل الأعمال عند الله انتظار الفرج عند الشدة» ولأجل أن يثبت الله لعباده هذه الحقيقة من خواص التقوى ذكرهم بما كان مصير من خلت قلوبهم من خوف الله فلم يبالوا بنقمته ولم يحسبوا له حسابًا في تصرفاتهم فقال: {وَكَأَيِّن} بالهمزة وتشديد الياء وقرئ «وكآئن» بالمد والهمز: {مِّن قَرْيَةٍ} أي وكم من قرية بمعنى الأغلبية الساحقة من سكانها: {عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا} أي استكبرت عن الإذعان لأوامره لعدم خوفها منه: {وَرُسُلِهِ} كقوم عاد وثمود: {فَحَاسَبْنَاهَا} في الدنيا: {حِسَابًا شَدِيدًا} لا رحمة فيه ولا هوادة فلم نجد لها حسنة: {وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا} بسكون الكافر وضمها أي لم يعرف له مثيل إذ أهلك الله عادًا بريح صرصر عاتية فلم تبق منهم باقية وأهلك ثمود بالصاعقة التي جعلتهم في ديارهم جاثمين: {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} أي فاختبرت ونالت بنفسها ما يكون من الشدائد في الدنيا نتيجة عدم الخوف من الله والعتو عن أوامره: {وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا} في الآخرة: {خُسْرًا} أي خسرانًا وهلاكًا حيث: {أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} في نار جنهم: {فَاتَّقُوا اللهَ} أي فلازموا التقوى واحذروا أن يصيبكم ما أصاب أولئك القوم: {يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} أي يا أصحاب العقول النيرة التي تتعظ بالحوادث من بني الإنس أجمعين ثم إنه تعالى وجه الخطاب إلى المؤمنين منهم بصورة خاصة فقال