ترشد الناس إلى سعادة الدارين وخير الحياتين بل إنهم ليقصرون استعمالهم لتلك المواهب عند حد البحث فيما ينفع الناس في هذه الحياة فحسب فيحرمون أنفسهم من الحصول على نعمة الإيمان باختيارهم ومحض رغبتهم.
بعد أن وضح الله المعنى المراد من عدم إيمان المكذبين بما اقتضته مشيئته تعالى الأزلية من إعطاء عباده كامل الخيار في مزاولة الأسباب التي تؤدي بهم إلى الجنة أو النار وقال: {ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} أمر رسوله أن يكتفي في أمر الرسالة بتوجيه أنظار العقلاء إلى ما يدل على وحدانية الله وعظيم قدرته فقال: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض} أي ما هو هذا الذي تشاهدونه من شمس وقمر ونجوم وكواكب وأرض وماء وأشجار وأثمار هل تعلمون حقائقها وكيف خلقت ومن أين وجدت إنها من خلق إله واحد أحد فرد صمد أوجد كل ذلك من العدم ونظم شئون خلقه منذ القدم وفي كل شيء من هذه الأشياء ما يدل على مبلغ علم خالقه وعظيم قدرته: {وفي الأرض آيات للمؤمنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون} .: {وما تغني الآيات والنذر عن قومٍ لا يؤمنون} أي إن نزول الكتب السماوية وظهور الآيات الكونية واضحة جلية للناس لا يغنيهم العلم بها عن الإيمان بالله منزلها وما يستلزمه ذلك من الترفع عن الأرجاس وسفاسفها والتزام الحق والعدل وإيثار الخير على الشر فليس المراد من السحابة الأمطار بل المراد وجود الإثمار وإذا كان الأمر كذلك: {فهل ينتظرون} أي أولئك الكافرون من قومك: {إلا} أن يحيق بهم: {مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} ممن قصصنا عليك أمرهم مع رسلهم من المحق والدمار نتيجة تكذيبهم: {قل} أيها الرسول منذرًا مهددًا إذا لم تؤمنوا وتصرون على التكذيب: {فانتظروا} ما ستكون عاقبة عملكم: {إني معكم من المنتظرين} الواثقين بأن وعيد الله حق وسنته لا تتغير وأن الأمة التي تصر بأكملها على الجحود والعناد لا بد أن ينالها ما نال من قبلها من الهلاك: {ثم ننجي} بالتشديد وقرئ بالتخفيف: {رسلنا والذين آمنوا} من الهلاك لينشروا الدعوة إلى دين الله: {كذلك} بمثل ما سنناه من سنن تقضي بنجاة الرسل والذين آمنوا في السابق أصبح: {حقًّا علينا ننج} بالتخفيف وقرئ بالتشديد: {المؤمنين} أي وعدًا منا لا يمكن أن نخلفه أن ننجي كل مؤمن بقدرتنا على نجاته وينتظر مددنا من غير شك في وعدنا ولا رهبة من أعدائنا.