تركهم وذهب عنهم غاضبًا بغير إذن من ربه وأنذرهم بحلول العذاب عليهم بعد أربعين ليلة فخافوا وآمنوا وتضرعوا إلى الله تائبين وقال الله: {لما آمنوا} بالله عندما علموا بقرب وقوع العذاب عليهم من بعد خروج نبيهم عنهم مغاضبًا: {كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} أي صرفنا عنهم عذاب الذل والهوان ولم نسجل عليهم الإصرار على الكفر حتى الهلاك: {ومتعناهم إلى حين} أي أطلنا في حياتهم إلى زمن معلوم وهو عمرهم الطبيعي الذي يعيشه كل منهم في ذلك العصر حسب استعداد بنيته ومعيشته وجزى الله يونس على ما كان منه من هجران قومه دون إذن ربه بالغرق والتقام الحوت له وبقائه في جوفه يدعو ويستغفر ثم إلقائه في العراء وهو سقيم إلى أن عاد إلى إتمام رسالته إلى مائة ألف أو يزيدون: {ولو شاء ربك} أي ولو أن مشيئة الله الأزلية قد قضت بأن يكون الناس كلهم مسيرين ومسخرين لطاعته: {لآمن من في الأرض كلهم جميعًا} لم يشذ منهم أحد كالملائكة تمامًا: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} ولكن مشيئته تعالى بالنسبة لبني الإنسان كانت على عكس ذلك إذ جعلت لهم الخيار الكامل في النية والقول والعمل والخيار يقتضي الحرية ويتنافى مع الجبر ويترتب على ذلك الثواب والعقاب وتبنى النتائج على الأسباب ولذا أصبح الإيمان أو الكفر حقًّا من الحقوق التي منحها الله لعباده كما قال تعالى: {قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} وليس من حق أحد من الرسل أن ينازعهم فيها ولذا قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أفأنت تكره الناس} على الاستجابة لدعوتك والعمل وفق شريعتك: {حتى يكونوا مؤمنين} وهذا ليس من اختصاصك بل أنت منذر: {إن عليك إلا البلاغ} .: {وما أنت عليهم بجبار} فحذار أن تقدم على هذا الأمر فلا تسلبهم ما منحهم الله من حرية: {وما كان لنفسٍ أن تؤمن إلا بإذن الله} إذن الله: سنته التي سنها لبلوغ الغايات والخواص التي أودعها في سائر المخلوقات والمعنى أنه لولا أن الله قد أذن لكل نفس أن تؤمن وجعل فيها الاستعداد لتقبل الهداية والإيمان لما كان في مقدورها أن تؤمن فهي باتباعها السبل التي تؤدي إلى الإيمان من تدبر آيات الله والعمل بما توحي به لا بد أن تؤمن بقدر الله: {ويجعل} الله بحسب ما تقتضيه سننه: {الرجس} وهو كل ما استقذر من العمل وفي مقدمة ذلك الكفر بالله: {على الذين لا يعقلون} أي لا يستعملون موهبة العقل في تدبر آيات الله التي