الصفحة 1252 من 1760

يميت من الأموات والجمادات مما يتنافى مع توحيد الألوهية مقتفين في ذلك أثر من كان قبلهم من عباد الأوثان الذين قال الله في حقهم: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون} ولئن سألتهم عن سر اتخاذهم من دونه أولياء قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} لأي ليكونوا وسطاء وشفعاء لنا عنده. وبعد أن فرغ يوسف من إقناع السائلين له بأنه على علم من ربه بتعبير الأحلام والأخبار عن بعض المغيبات نتيجة إيمانه بالله ونبذ الشرك وشرح لهم مزايا التوحيد أخذ يعبر لهما رؤياهما فقال: {يا صاحبي السجن أما أحدكما} وهو الذي رأى أنه يعصر خمرًا: {فيسقي ربه خمرًا} أي يخرج من السجن ويعود إلى سيده فيسقيه خمرًا لأن العنب مصيره إلى الخمر والمراد بالرب مالك رقبته لأن ملك مصر في عهد يوسف لم يدع الربوبية والألوهية كفرعون موسى بل كان من العرب الذين ملكوا مصر عدة قرون: {وأما الآخر} وهو الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه: {فيصلب} ويبقى مصلوبًا حتى يتعفن: {فتأكل الطير من رأسه} ويعني بالطير أكلة اللحوم منها كالغراب والحدأة: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} أي بت في تعبير رؤياكما وليس لهما تأويل سوى ذلك ولم يعبر لكل سائل رؤياه على انفراد بل أتى بلفظ الإبهام فقال أما أحدكما وأما الآخر لأن إحدى الرؤيتين مزعجة فلم يشأ أن يزعج صاحبها مقدمًا بل ترك له الأمل في أن يكون هو صاحب الرؤيا السارة وأدخل السرور إلى قلب الآخر بما يشعره بأنه هو الناجي: {وقال للذي ظن} لقد كان يوسف واثقًا من صدق ما يقول باعتباره مما علمه ربه حتى قال: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} غير أن الله تبارك وتعالى عبر بلفظ الظن إشارة إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يدعي الجزم بحصول أي أمر هو في كفة القدر ولله الأمر والكلمة الأخيرة فيه ليكون في ذلك عظة لقوم يؤمنون: {أنه ناج منهما} وهو من قال عنه إنه يسقي ربه خمرًا: {اذكرني عند ربك} أي حدث سيدك الملك بما رأيت وسمعت وعلمت من أمري لعله ينصفني من ظلامتي ويخرجني من السجن، وما لبث غير قليل حتى تحققت رؤياهما واحتل الرجل مكانته لدى الملك وكان عليه أن يرد الجميل إلى من بشره بذلك المركز الذي ناله ولكنه لم يفعل: {فأنساه الشيطان} بسبب قوله هذا: {ذكر ربه} أي فمكن الله الشيطان من نفس الساقي حتى نسي أن يذكر يوسف: {فلبث في السجن بضع سنين} مظلومًا منسيًا لا يذكره أحد ولا يرثى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت