العبد الذي له ملّاك متعددون شأنهم التفرق والانقسام سيجعلونه في حيرة من أمره وقلق دائم للحصول على إرضائهم جميعًا بخلاف من كان له مالك واحد فإنه يستطيع أن يعيش هادئًا وادعًا، وفي هذا يقول تعالى: {ضرب الله مثلًا رجلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سلمًا لرجل هل يستويان مثلًا} وما دام الأمر كذلك فخير للناس أن يؤمنوا بوحدانية الله كما آمنت ويتبعوا رسله كما اتبعت لتتحد بذلك كلمتهم حوله وتطمئن نفوسهم لنيل رضاه أما الشرك فإنه مدعاة لتشويش نفس العابد وتفريق أمره فيما بينه وبين معبوديه، وتعدد الآلهة مدعاة لتنازعها وهذا مفسد للنظام كما قال تعالى: {لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا} وقال أيضًا: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذًا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون} والاعتقاد بتعدد الآلهة من شأنه أن يفرق كلمة الأمة ويجعل الناس في حيرة من أمرهم فلا يستطيعون التأكد من ترجيح أحدهم على الآخرين وما ينفعهم لديهم من العبادات ولذا أنكر يوسف ذلك بقوله: {ما تعبدون} أي تدعون لقضاء الحوائج وتفريج الكرب: {من دونه إلا أسماء} زعمتم أنها أربابًا وليست بأرباب وإنما: {سميتموها أنتم وآباؤكم} من قبل كذلك إذ نسبتم إليها شيئًا من النفع والضر والوساطة والشفاعة: {ما أنزل الله بها} في كتبه ولا على السنة رسله: {من سلطان} أي برهان أو دليل بل هو من محض مفترياتكم: {إن الحكم} أي حق التشريع في أمر العبادة والدين: {إلا لله} دون غيره فليس لأحد أن يبتدع شيئًا من العبادات وقد: {أمر} عباده في جميع كتبه: {ألا تعبدوا إلا إياه} لقد حسب الكثير من الناس أن المراد بالعبادة الأمور التعبدية كالصلاة والصيام وما أشبه وفاتهم أن العبادة عند المسلمين غيرها عند النصارى وغيرها عند اليهود وأن الجامع لها عند سائر الأمم إنما هو الدعاء كما قال صلى الله عليه وسلم: «الدعاء مخ العبادة» وفي رواية: «الدعاء هو العبادة» كما جعل صلى الله عليه وسلم طاعة القسيسين والرهبان في أمور التشريع عبادة لهم من دون الله فيكون المعنى بهذا الاعتبار النهي عن دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه سواء وإطاعة غيره في أمور الدين: {ذلك} أي عدم عبادة غيره هو: {الدين القيم} أي الثابت الذي له قيمته العلمية والعقلية: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} قيمة هذا الدين وما يرمي إليه من توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الصفات وإخلاص العبادة له، ولذلك تراهم يتساهلون في جواز دعوة غير الله ممن لا ينفع ولا يضر ولا يحيي ولا