لاحت لهم الفرصة المناسبة: {انصرفوا} أفرادًا متفرقين حتى لا يشعر أحد بانصرافهم ومن أجل هذا: {صرف الله قلوبهم} عن صدق الإيمان والاهتداء بآيات الله: {بأنهم قوم لا يفقهون} أي بسبب عدم تفقههم وفهمهم لمعاني ما يسمعون من هذه الآيات نتيجة الإعراض عن سماعها وعدم التأمل في معانيها ومراميها فأنى يرجى لهم وهذه حالتهم أن يهتدوا بآيات الله مهما نزلت ومثل هؤلاء بعض الشبان في عصرنا هذا وقد تربوا في المدارس التبشيرية التي صرفتهم عن الدين وسممت أفكارهم ببعض العقائد الفاسدة والإلحادية التي جعلتهم يتضايقون من سماع القرآن فإذا ما حضروا في مجلس تتلى فيه آيات الله أو يبحث فيه أمر من أمور الدين تراهم ينظر بعضهم إلى بعض كأنما هم يتقلبون على الجمر ويتحينون الفرص للتسلل من أمثال هذه المجالس ولو كانوا في مجلس أنس وطرب لاستمروا طوال الليل والنهار من غير ملل: {لقد جاءكم} يا معشر البشر: {رسول من أنفسكم} أي إنسان مثلكم خلق من نفس واحدة هي آدم رأس السلالة البشرية لم يتكبر عليكم ولم يدع السيادة عليكم حتى تنفروا منه وتناصبه العداء: {عزيز عليه ما عنتم} العنت المشقة ولقاء المكروه أي أنه يثقل عليه جدًّا عنتكم ولا يرضى أن تكونوا في دنياكم أمة ضعيفة ذليلة بعنتها أعداؤها ويعملون على إذلالها وهو يريدكم سادة أعزة كما قال تعالى: {العزة لله ولرسوله وللمؤمنين} وهو إلى جانب هذا أيضًا: {حريص عليكم} حرص على الشيء عظم تمسكه به ولم يفرط فيه أي أنه يرعاكم دائمًا ويأبى أن يترككم تتخبطون في دياجير الجهل أو الكفر والإلحاد وتردون موارد الهلاك وهو فوق كل ذلك: {بالمؤمنين} خاصة: {رؤوف} أي شديد الإشفاق: {رحيم} أي كثير الرحمة فهم أنصاره وهو منهم وإليهم وقد أمره الله أن يكون كذلك في معاملتهم بخلاف معاملته للكفار فقد أمره أن يغلظ عليهم: {فإن تولوا} عن الإيمان بالله واتباع شريعته: {فقل حسبي الله} أي الله سندي ويكفيني أمامه أني أديت الرسالة حقها ولم أقصر في دعوتكم وتبليغ الآيات لكم: {لا إله إلا هو عليه توكلت} في كل أموري: {وهو رب العرش} الذي يدبر من فوقه كل أمور خلقه كما قال تعالى: {ثم استوى على العرش يدبر الأمر} وقد وردت في وصف هذا العرش ومادته عدة روايات مأخذها من الإسرائيليات فلا لزوم لذكرها وقال ابن عباس سمي العرش عرشًا لارتفاعه: {العظيم} بالخفض على أنه صفة للعرش وقرئ بالرفع على أنه صفة للرب الذي لا تكيف عظمته فهو مصدر جميع العظمات وقد ورد في فضل هذه الخاتمة من