الصفحة 12 من 45

والذي يحملني على عدم الجزم بأن ذلك اختيار البخاري رحمه الله، لأنني وقفت على عدة نصوص تدل على أنه لم يقبل بعض تفردات الثقات والصدوقين ولو لم يخالفوا، فمثلًا وجدته لا يقبل حديثًا تفرد به شبابة بن سوَّار وهو ثقة حافظ [69] عن شعبة بن الحجاج مع أنه لم يُخالف، ومع أن المتن محفوظ من طرق أخرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [70] ، ومع أن علي بن المديني لم يرده وقال: (لا ينكر لرجل سمع من رجل ألفًا وألفين أن يجيء بحديث غريب) [71] .

كما وجدت البخاري رد حديثًا تفرد به حفص بن غياث عن عبيدالله بن عمر العمري وقال: (هذا حديث فيه نظر) [72] . مع أنه احتج بحفص في صحيحه في مواضع عديدة [73] ، كما أن حفصًا لم يُخالف، ولهذا فقد صحح حديثه الترمذي [74] ، وابن حبان [75] ، فلم يقبل البخاري حديثه بسبب التفرد [76] مع كونه ثقة عنده.

وذكر الترمذي حديثًا لعمر بن هارون البلخي يرويه عن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها" [77] ثم قال: (سمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث، لا أعرف له حديثًا ليس لإسناده أصل أو قال: ينفرد به إلا هذا الحديث... ولا نعرفه إلا من حديث عمر بن هارون، ورأيته حسن الرأي في عمر) [78] .

فرد تفرد من كان يحسن الرأي فيه ويرى أنه مقارب الحديث، ولا أظن البخاري رد حديثه لمعارضته لأحاديث الأمر بإعفاء اللحى؛ لأن لفظ الإعفاء غير صريح ولا قطعي في الدلالة على منع الأخذ من اللحية، بدليل أن جمعًا من الصحابة كانوا يفعلون ذلك [79] ، كما أن البخاري من عادته أن يظهر المتن المعارض إذا أراد الإعلال وتأكيد الضعف، ولم يفعل ذلك هنا.

والنصوص السابقة تدل على أن تفرد الصدوق بل الثقة أحيانًا لا يكون حجة عند البخاري، ولعله توفرت له بعض القرائن التي استدعت النظر في تلك التفردات ولو لم توجد مخالفة صريحة وواضحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت