الصفحة 13 من 67

من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها، ولن تجد طريقًا من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة وسبيل للدلالة عليها، وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟

إلى أن قال بعد أن ذكر بعض الأمثلة من السياسة الشرعية التي اتخذها أبو بكر وعمر:"إلى أضعاف ذلك من السياسات العادلة التي ساسوا بها الأمة، وهي مشقة من أصول الشريعة وقواعدها ... ، وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالته -صلى الله عليه وسلم- بالنسبة إلى كل ما يحتاج إلى العبادُ في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يحوج أمته إلى أحَدٍ بعده، وإنما حاجتهم إلى مَن يبغلهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسَل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج مَنْ بُعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلَّفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به" [32] .

سابعًا: لا بد أن نعلم أنه ما من شيء إلا وله منفعة، ولا يوجد شيء في الدنيا ليس فيه منفعة أو فائدة -في الغالب- حتى الخمر، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [ (219) سورة البقرة] إلا أن العبرة بالغالب، فما غلب خيره على شره فيشرع، وما غلب شره على خيره فيُمنع، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"فإنا نعلم إنما حرمت الأشياء لكونها في نفسها فسادًا بحيث تكون ضررًا لا منفعة فيه، أو لكونها مفضية إلى فساد بحيث تكون هي في نفسها فيها منفعة، وهي مفضية إلى ضرر أكثر منها فتحرم، فإن كان ذلك الفساد فعل محظور سميت ذريعة، وإلا سميت سببًا ومقتضيًا ونحو ذلك من الأسماء المشهورة، ثم هذه الذرائع إذا كانت تفضي إلى المحرم غالبًا فإنه يحرمها مطلقًا، وكذلك إن كانت قد تفضي وقد لا تفضي لكن الطبع متقاض لإقضائها، وأما إن كانت إنما تفضي أحيانًا فإن لم يكن فيها مصلحة راجحة على هذا الإفضاء القليل وإلا حرمها أيضًا ثم هذه الذرائع منها ما يفضي إلى المكروه بدون قصد فاعلها ومنها ما تكون إباحتها مفضية للتوسل بها إلى المحارم، فهذا القسم الثاني يجامع الحيل بحيث قد يقترن به الاحتيال تارة، وقد لا يقترن كما أن الحيل قد تكون بالذرائع، وقد تكون بأسباب مباحة في الأصل ليست ذرائع" [33] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت