وكذلك قال الفقهاء:"لو غلب على ظن الإمام مصلحة في التغريب تعزيرًا فله أن يفعله ... كما غرب عمر نصر بن الحجاج لافتتان النساء بجماله، والجمال لا يوجب نفيًا" [30] إلا أنه فعله سياسة لا حدًا، وفيه إشارة إلى أن السياسة أوسع بابًا، وهي -في تعريف فقهائنا-:"سياسة الدنيا بالدين".
وقد ذكر ابن القيم ما جرى من مناظرة بين ابن عقيل ومن ينكر السياسة الشرعية، فقال -رحمه الله-:"وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء بن عقيل وبين بعض الفقهاء، فقال ابنُ عقيل:"العملُ بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمام"وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: السياسية ما كان من الأفعال بحيث يكون الناسُ معه أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: لا سياسة إلا ما وافق الشرع أي: لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيحٌ، وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسِّير، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة، وكذلك تحريق عليَّ -رضي الله عنه- الزنادقة في الأخاديد، ونَفْي عمر نَصْرَ بن حجاج".
ثم قال ابن القيم:"قلت: هذا موضع -يعني العمل بالسياسة الشرعية أو إهمالها- مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مُقامُ ضَنك، في معترك صعب، فرَّط فيه طائفة، فعطلوا الحدود، وضيّعوا الحقوق، وجرَّدوا أهل الفجور على الفساد، وأعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، وسَدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من الطرق التي يُعرفَ بها المُحِقُّ من المبطل، وعطلوا مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق ظنًا منهم منافاتها لقواعد الشرع، والذي أوجب لهم ذلك نوعُ تقصر في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها، فلما رأى وُلاة الأمر ذلك، وإن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم؛ فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر طويل، وفساد عريض، وتفاقَمَ الأمر وتعذَّر استدراكه."
وأفرط فيه طائفة أخرى فسوَّغت منه ما يُناقض حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أُتيت من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله؛ فإن الله أرسل رُسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفرَ صبحه بأي طريق كان فثم شرعُ الله [31] ودينه ورضاه وأمره، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر، بل بين بما شرعه