الخوض في هذه المسائل هو التقليد الأعمى، ومجارة العصر والتطور كما يزعمون، أو مصالح متوهمة، كما قد تبين مقصدهم في الكلام على كثير من المسائل التي يثيرونها في هذه الأيام مستغلين جو الانفتاح، وحرية الكلمة.
سادسًا: لا بد من معرفة أن ما يراه الحاكم أو يقرره أو يمنعه هو من السياسات التي تتضمن مصلحة معتبرة، أو درء مفسدة متوقعة يجب طاعته فيها، وإن لم يرد مثله؛ أو لم يرد فيه نصًا قاطعًا في التحريم؛ لأن هذا من باب السياسات الشرعية وبابها واسع؛ ألا ترى أن عمر أنفذ الطلقات الثلاث بلفظ واحد لما تلاعب الناس بالطلاق حيث كان الطلاق على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب طلاق الثلاث واحدة؛ فقال عمر -رضي الله عنه-:"إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم"ومعنى هذا أنهم كانوا يوقِعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس الآن ثلاث تطليقات.
لأن الناس في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعهد أبي بكر -رضي الله عنه- كانوا على صدقهم وسلامتهم لم يكن فيهم الخب والخداع فكانوا يصدقون أنهم أرادوا به التأكيد، ولا يريدون به الثلاث، فلما رأى عمر -رضي الله عنه- في زمانه أمورًا ظهرت، وأحوالًا تغيرت منع من حمل اللفظ على التكرار، وألزمهم الثلاث، فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان [27] .
وعلم الصحابة -رضي الله عنهم- حسن سياسة عمر، وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به، وهذا هو رأي شيخ الإسلام في هذه المسألة لموافقته الدليل الصريح الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث ابن عباس -رضي الله عنه [28] ، وكذلك جلد عمر السكران ثمانين، وكان هذا عند عتو أهل الشرب بزيادة الفسق من الهذيان والقذف والضرب ونحوها في حال سكرهم، فرأى تضعيف الحد سياسة مناسبة لحالهم من سوء فعالهم، وقبح مقالهم، واستمر الحكم على ذلك حتى قال بعض الشافعية: أربعين حدًا وأربعين سياسةً.
وجعل-رضي الله عنه- مدة غيبة الجند والمرابطين في الثغور عن زوجاتهم أربعة أشهر، فإذا مضت هذه المدة استُرِدّوا، وأرسل بدلهم غيرهم [29] .