يظهر -والله تعالى أعلم- إذا كان تجسسه من هذا النوع، من نوع المظاهرة، من نوع المعاونة والمعاضدة للكفار على المسلمين بأي صورة من هذه الصور التي أشرنا إليها فهذا حكمه، ما ذهب إليه ابن القاسم المالكي، حكمه حكم الزنديق، وأكثر العلماء كما قال شيخ الإسلام على أن الزنديق إذا تاب أو ادعى التوبة بعد القدرة عليه فلا تقبل، وإذا جاء تائبًا من عند نفسه قُبلت منه.
هذه هي الصورة الأولى من صور التجسس، وهذه ردة ولا شك.
* النوع الثاني: هو ألا يكون مظاهرًا للكفار على المسلمين، يعني ألا يكون معينًا لهم على المسلمين ولكن قد يكون تجسسه تحذيرًا للكفار فقط، فقط يبلغ الكفار يقول لهم: الليلة ممكن تكون عليكم غارة، انتبهوا أحسن لكم أن تنسحبوا. فهذه إعانته ليست جلية، إعانته للكفار على المسلمين ليست واضحة، بمعنى أن فعله من جنس فعل حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله تعالى عنه- عندما كتب إلى كفار قريش يخبرهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جهز نفسه ولا أراه إلا يريدكم، فهنا حاطب لم يعن الكفار على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ما ظاهرهم، وإنما حذرهم مجيء النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى ينظروا لأنفسهم، ومع ذلك نزلت آيات الوعيد في حادثة حاطب -رضي الله تعالى عنه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ} إلى آخر الآيات.
ولذلك عمر -رضي الله تعالى عنه- عندما فعل حاطب ما فعل، عمر غضب وقال للنبي - صلى الله عليه وسلم:"يا رسول الله، دعني أضرب عنق حاطب فقد كفر"في رواية:"فقد كفر حاطب"وفي رواية:"لقد نافق".
فالشاهد من هذا، إذا كان فعل حاطب -رضي الله تعالى عنه- فقط كتب رسالة إلى كفار قريش يقول لهم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سيأتي، والرسالة كما جاءت في بعض الكتب أنها رسالة تهديد وتخويف أكثر من كونها رسالة تجسس:"لقد جاءكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجيش كالسيل يزحف كالليل ... ووالله لو جاءكم وحده لنصره الله عليكم"هذه رسالة تجسس؟! ومع ذلك نزلت فيه هذه الآيات، فالمقصود هنا إذا كان النوع التجسسي من هذا القبيل يكون تحذيرًا وليس إعانة، فهذا يرجع إلى اجتهاد الإمام، ينظر الإمام حاله، إن رأى أن المناسب وأن العقوبة التي يستحقها هي القتل قتله، وإن رأى أن يضربه كذا من الجلدات جلده، وإن رأى أن يعفو عنه وأن يُقيل عثرته عفا عنه.