فماذا سيفيد الخندق، وماذا سيفيد التحصن، وماذا سيفيد التمويه وماذا سيفيد كذا! وهذا لا شك أنه من النقص في الدين، فإن"ترْك الأسباب هذا خلل في العقل"كما قال العلماء.
إذن عندما تجوع أو تعطش أو تمرض فدع الطعام ودع الماء ودع الدواء وقل: ماذا سيفيد الماء وماذا سيفيد الطعام وماذا سيفيد الدواء؟! وهذه الأسباب التي أُمرتَ بها إنما هي من أقدار الله -عز وجل-، فالإنسان مطالَب بها، فكل سبب يمكن أن تقوم به وأن تؤديه لتحفظ به إخوانك المجاهدين فأنت مأمور به شرعًا، وإذا قصرت في ذلك فأنت محاسب عليه في الدنيا والآخرة.
ولذلك على الأمير أو الإمام أن يتابع من هم تحته فيما إذا وقع منهم تقصير، فسيد المتوكلين هو النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي قال الله في الكتاب: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} لن يصلوا إليك، ومع ذلك هو الذي قام بحفر الخندق - صلى الله عليه وسلم - أو شارك في حفر الخندق، وهو الذي خالف بين درعين يوم أحد، لبس درعين فوق بعضهما، فإذن هذا هو من تمام التوكل أن يأخذ الإنسان بالأسباب ثم يعتمد على الله -عز وجل-، ويعلم من داخل قلبه أن هذه الأسباب لا تقدم ولا تؤخر وإنما هي أوامر شرعية يؤديها وفقًا لما أمر الله -عز وجل-.
قال:"ويؤمِّر في كل ناحية أميرًا يقلده أمر الحرب وتدبير الجهاد"
إذن كذلك التأمير، كل ناحية أو كل جهة أو كل مجموعة أو كل طائفة أُوكل إليها شيء من المهام لا بد أن يولي عليهم أميرًا كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثة في سفر فلتؤمروا عليكم أحدكم) قال العلماء:"إذا كان هذا في الاجتماع العارض ..."يعني سفر، قد يستمر يومًا واحدًا وربما أقل من يوم، فمع ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء الثلاثة وهم أقل الجمع أمرهم أن يؤمروا عليهم أحدهم؛ حتى لا يقع عليهم اختلاف وتنازع في وقت الصلاة، في الإقامة، في الأذان، في غير ذلك، وما يعترضهم في سفرهم، فكيف بالاجتماعات التي تستمر زمنًا طويلًا ويتوقف عليها شيء كثير من مصالح المسلمين، وإن حصل اضطراب أو فساد في هذه الجماعة أو في هذه المجموعة فإن فسادها سيتعدى إلى غيرهم، فلا شك أن هؤلاء أوْلى بالتأمير من أصحاب السفر العارض.
قال:"ويؤمر في كل ناحية أميرًا يقلده أمر الحرب وتدبير الجهاد ويكون ممن له رأى وعقل وخبره"