الله عنهما بجمع المصحف، فشرح الله صدره لذلك، وتمّ جمع المصحف عند أبي بكر - رضي الله عنه - حتى توفّاه الله، ثم عند عمر - رضي الله عنه - حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهما. ( [73] )
والجمع الآخر في خلافة عثمان - رضي الله عنه - لما اتّسعت الفتوحات وانتشر الإسلام وكثُر الداخلون فيه من غير العرب، فوقع اللحن في القرآن، وبلغ ذلك الخليفة عثمان - رضي الله عنه - فعزم على كتابة نُسخ من المصحف يبعث بها إلى الأمصار، لتكون إمامًا ومرجعًا للناس في القراءة، وأمر بإزالة ما بأيدي الناس من مصاحف وحرقها. ( [74] )
وكلا التدوينين والجمعين في ذلك الزمن المبكّر من عُمُر الأمّة له أقوى الدلالات على حفظ عجيب لكتاب الله الكريم؛ صيانةً له وتعظيمًا، خصوصًا مع قلّة الإمكانات وحداثة التجربة.
وأمّا تدوين السنّة فأمرٌ أعظم وأشدّ عجبًا، من عدّة أوجه:
1 -أن السنّة لم يسبق تدوينها في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل ثبت عنه النهي عن ذلك، إلا ما كان من وقائع محدودة كأمره بالكتابة لأبي شاه، وما كان من كتابة عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وكل ذلك تدوين محدود جدًا. ( [75] )
فابتداء الجمع والتدوين بعد ذلك هو بمثابة جمع ما لا حصر له ولا حدود ولا معالم من أقاويل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحواله وأيامه، مما حفظته صدور الصحابة - رضي الله عنهم - وأبنائهم، وما تتناقله الرواة تحمّلًا وأداءً.
2 -أن تدوين السنة يتطلّب أمرين غير يسيرين: ضبط المتن وصيانة ألفاظه، وضبط السند وتحديد رواته، وكلاهما قد تحقق بنجاح باهر منذ بداية التدوين للسنة.
3 -أن الأنحاء التي اتخذها التدوين في جمع السنن وتصنيفها كان غايةً في العجب، بين مسانيد وجوامع وسنن وموطّآت ونحوها.
وكل نحوٍ من هذه الأنحاء ذو مأخذ بديع وجهد عبقري، فالمسانيد التي ترتّب أحاديثها على أسماء الصحابة الرواة لها، توزع حسب الرواة، والجوامع والسنن تتطلب تبويبًا فقهيًا وعقديًا ونحوها من أبواب التشريع، مما يحتاج إلى تراجم لأبوابه مستقاةٍ من الاستنباط من نصوص الأحاديث ودلالاتها، وهكذا في تدوين ذي اعتبارات متعدّدة.
4 -أن هذا التدوين البديع لسنن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - استلزم فنونًا وأنشأ علومًا قامت على سوقها خدمة لهذا الغرض الجليل، مما سيأتي تفصيله في المبحث الخامس.
فكان هذا التدوين والحفظ المسطور بوابة لعلوم شريفة متعددة الأنحاء خدمة لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وحفظًا وصيانة له ونشرًا في العالمين، ونقلًا له بأمانة إلى أجيال المسلمين اللاحقة.
فهل وراء هذه الجهود الجبارة في حفظ السنة وتدوينها التي تفانى فيها السلف إلا التعظيم الصادق للسنّة؟!