الصفحة 11 من 31

قال ابن عبد البرّ:"طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعدّيها، ومن تعدّاها جملةً فقد تعدّى سبيل السلف رحمهم الله، ومن تعدّى سبيلهم عامدًا ضلّ، ومن تعدّاه مجتهدًا زلّ، فأوّل العلم حفظ كتاب الله عزّ وجلّ وتفهّمه". ( [58] )

وقال النوويّ:"كان السلف لا يعلّمون الحديث والفقه إلا لمن يحفظ القرآن". ( [59] )

وعدّ ابنُ جماعة الأدبَ الأوّل من آداب طالب العلم في دروسه:"أن يبتدئ بكتاب الله العزيز، فيتقنه حفظًا، ويجتهد على إتقان تفسيره وسائر علومه فإنه أصل العلوم وأمّها وأهمّها" ( [60] )

ويصف ابن خلدون حال الأمّة فيقول:"اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار الدين، أخذ به أهل الملّة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم ... وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات". ( [61] )

وأعجب ما في الباب: صنيع الصبيان والأعاجم والعوامّ في إتقانهم لحفظ القرآن، فإن ثلاثتهم لديه من العوائق ما قد لا يتمّ له بسببه حفظ القرآن، فالصبي صغير العقل ضعيف الفكر منصرفٌ إلى اللهو، والأعجمي لا يكاد يستقيم لسانه بحروف العرب، ولو استقام بها فلا يفقهها، فهو بين عقبة النطق الكؤود، وخندق الفهم العميق، والعامّي لا يحسن قراءة ولا كتابة، وأصعب ما عليه معاناتهما، ولا يتعاطى النص إلا تلقينًا متكررًا، ومع ذلك فلا حصر لعداد حفظة القرآن وحملته في الصدور من هذه الأصناف الثلاثة ومن غيرهم، فهل غير حبّ القرآن وتعظيمه دافع يقطع تلك العوائق ويزيل الصّعاب؟!

ثم لم تزل مجالس الإقراء وحلقاته والتصدّي لذلك والتفرّغ له وقضاء الأعمار فيه هديًا للسلف، منذ أن سنَّها أبو الدرداء - رضي الله عنه -، فعن مسلم بن مشكم قال: قال لي أبو الدرداء: اعدد من في مجلسنا، قال: فجاءوا ألفًا وستمائة ونيفًا، فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرةً عشرةً، فإذا صلى الصبح انفتل وقرأ جزءًا، فيُحدقون به يسمعون ألفاظه!

وأبو عبد الرحمن السلمي ظلّ يُقرئ القرآن في مسجد الكوفة أربعين سنة، وهو راوي حديث:"خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه" ( [62] ) ، عن عثمان - رضي الله عنه -، فيحدّث به ويقول: وذلك الذي أقعدني مقعدي هذا! ( [63] )

وتتوالى أخبار القرّاء الذين وقفوا حياتهم في إقراء كتاب الله، فهذا أقرأ القرآن نحوًا من ستين سنة ( [64] ) ، وذاك تصدّر للإقراء والتلقين ستين سنة فألحق الأحفاد بالآباء ( [65] ) ، وثالث ختم القرآن عليه أكثر من ألف نفس ( [66] ) !!

وأما السنّة: فكان حفظ السلف لها وضبطها بالسند، مع العناية التامة بما يعتريه من وصل وانقطاع وصحة وضعف وسلامة وعلة، كان أعجوبة ومفخرة من مفاخر الأمة ومضرب المثل بها في صناعة العلوم ورسم المناهج!

فملازمة أبي هريرة - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - وحرصه على سماعه وحفظ سنّته، جعلته على رأس الرواة المكثرين من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي لم يسلم إلا سنة سبع من الهجرة فحسب! ( [67] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت