يشكِّل جهاز الدوران في جسم الإنسان شبكة مواصلات عظيمة لم يُشهد لها مثيل في الوجود في تنظيمها وتفرعاتها المعقدة الدقيقة الإشراف المحكمة السيطرة على كافة أعضاء وخلايا الجسم البشري بما تحتويه من وظائف النقل والإمداد والتوزيع الغذائي، فغذاء العين (1) يختلف عن غذاء الأذن الذي إن أتى إلى العين سبَّب لها العمى، وغذاء العين إن أتى إلى الأذن سبَّب لها الصمم، وفي إمداد ساحاته القتالية التي تعتبر ميادين لحروب عالمية بصواريخ بعيدة المدى تفرزها الكريات البيضاء كترياقات تطال أهدافها على الجراثيم القاذفة للسموم والدخيلة على الجسم، بأبعاد لها كبعد القمر عن الأرض نسبيًا.. فالجسم كون عجيب بإلهام مدبَّر ومُبَرْمَج على أسس وتقنيات ذاتية عالية في التطور إعجازية في الابتكار.
(1) صحيح أن الغذاء يجري بالدم بعد امتصاصه ومروره بالكبد ليدور أرجاء الجسم كافة، ولكن تتمتَّع الخلايا الحية في جسم الإنسان بآلية إدخال للأغذية"وعامة المركبات"اصطفائية تصطفي المركبات الخاصة بكل نسيج وتسمح لها بالدخول دون الأخرى. فمثلًا النسيج العصبي يختلف في تطلُّبه عن النسيج العضلي والعظمي، والعين مثلًا تتطلَّب كميات من (vit A) لا تتطلَّبها أنسجة الأذن. ولو أن هذه الكميات دخلت أنسجة الأذن لأحدثت أذيات، وكذلك النسيج العظمي في تطلبه للكالسيوم كميات لا تتطلبها المخاطيات، ولو أنها دخلتها لدمرتها وسارت للتلف، ولو تراكمت كمية من الغالاكتوز في نسيج العين لأحدثت الساد Cataract.. وكذلك الغدة الدرقية في تطلُّبها واجتذابها لعنصر اليود بكمياتٍ عظمى نسبةً لغيرها من الأنسجة. وهكذا فالأمثلة كثيرة والآلية هذه بحثها طويل لا مجال للخوض فيها الآن.