جـ/ أقول:- انقسم الناس في مسألة تأثير الأسباب إلى ثلاثة أقسام على وجه الإجمال، الفرقة الأولى:- معطلة الأسباب وهم الذين قالوا إن الأسباب لا تأثير لها البتة، فالأسباب وإن حصل عند حدوثها أثر، إلا أنها لا دخل لها فيه أبدًا وإنما هذا الأثر حصل عندها لا بها، فإذا رمى أحد زجاجة بحجر فانكسرت، فإن هذا الانكسار لا علاقة بينه وبين إصابة الحجر مطلقًا، بل الله تعالى أوجد الانكسار عند ارتطام الحصاة بالزجاج قدرًا، بحيث أنه حتى لو قدرنا عدم حصول هذه الرمية لوجد الانكسار، وهذا هوس في العقل، وقدح في الشرع، ومناقضة للمنقولات وللقضايا الحسيات وللمعقولات المتقررات ولو عرض على بهيمة لما قبلته، وحق الواحد من هؤلاء أن يركل في بطنه وظهره عدة ركلات قوية صباحًا ومساءً فإذا تألم قيل له: إن الألم حصل عند الركلة لا بها، وما أشد فرح القاتل بهذا المذهب، فإنه سيقول: إن موت الجني عليه حصل عند رمية الرصاصة لا بها،وبالجملة فهذا المذهب مرفوض تمامًا وقابلهم طائفة ثانية يقال لهم: مشركة الأسباب، وهم الذين غلوا في إثبات السبب حتى جعلوه هو المؤثر بذاته، أي أن الله تعالى لا شأن له في خلق الأثر ولا تقديره وإنما السبب ذاته هو الذي أوجد هذا الأثر بنفسه وهذا شرك في الربوبية لأنهم يعتقدون خالقًا مدبرًا ومؤثرًا ومتصرفًا في هذا الكون غير الله تعالى. فالفرقة الأولى فرطت في الربط بين السبب وأثره فقالت لا رابطة بينهما مطلقًا، أي ليس بينهما مطلق الرابطة، والفرقة الثانية غلت وتجاوزت الحد في إثبات تأثير الأسباب حتى جعلوه هو المؤثر بذاته فجعلوا له التأثير المطلق، وكلاهما على طرفي نقيض، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم والحق هو الوسط ولم يفز به إلا أهل الوسطية، الخيار العدول، أهل السنة والجماعة رفع الله نزلهم في الفردوس الأعلى وأعلى الله منارهم وسدد خطاهم وغفر لأمواتهم وثبت أحياءهم وجمعنا بهم في الجنة، فإنهم توسطوا كعادتهم بين الفرقتين،