فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 26

* وأقام ابن القيم رحمه الله محكمة بين القولين في عد الصابرين، وخلص (ص:255) بما خلص به شيخه فقال: والتحقيق أن يقال: أفضلهما أتقاهما لله تعالى، فإن فرض استوائهما في التقوى استويا في الفضل، فإن الله سبحانه لم يفضل بالفقر والغنى كما لم يفضل بالعافية والبلاء، وإنما فضل بالتقوى كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13] ، وقد قال ?: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا فضل لعجمي على عربي؛ إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب» [1] والتقوى مبنية على أصلين الصبر والشكر، وكل من الغنى والفقير لا بد له منهما، فمن كان صبره وشكره أتم كان أفضل.

فان قيل: فإذا كان صبر الفقير أتم وشكر الغنى أتم فأيهما أفضل قيل: أتقاهما لله في وظيفته، ومقتضى حاله، ولا يصح التفضيل بغير هذا البتة فان الغنى قد يكون أتقى لله في شكره من الفقير في صبره، وقد يكون الفقير أتقى لله في صبره من الغنى في شكره، فلا يصح أن يقال: هذا بغناه أفضل، ولا هذا بفقره أفضل، ولا يصح أن يقال: هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر ولا بالعكس؛ لأنهما مطيتان للإيمان لا بد منهما، بل الواجب أن يقال: أقومهما بالواجب والمندوب هو الأفضل؛ فان التفضيل تابع لهذين الأمرين كما قال تعالى في الأثر الإلهي: «ما تقرب إلي عبدي بمثل مداومة ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» [2] فأي الرجلين كان أقوم بالواجبات وأكثر نوافل كان أفضل اهـ.

(1) أخرجه أحمد (5/411) من سعيد الجريري، عن أبي نضرة، حدثني من سمع خطبة رسول الله ? في وسط أيام التشريق وسنده صحيح.

(2) قطعة من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (6502) دون لفظة «مداومة» ولم أجدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت