الجنة
صفة الجنة و أصناف نعيمها:
قال الغزالى رحمه الله ما يلخصه:
اعلم أن تلك الدار التي عرفت همومها و غمومها تقابلها دار أخرى فتأمل نعيمها و سرورها, فإن من بعد من أحدهما استقر لا محالة في الأخرى, فاستثر الخوف من قلبك بطول الفكر في أهوال الجحيم, و استثر الرجاء بطول الفكر في أهوال الجحيم, و استثر الرجاء بطول الفكر في النعيم المقيم لأهل الجنان, و سق نفسك بسوط الخوف و قدها بزمام الرجاء إلى الصراط المستقيم و فبذلك تنال الملك العظيم و تسلم من العذاب الأليم, فتفكر في أهل الجنة و في وجوههم نضرة النعيم, يسقون من رحيق مختوم متكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر و العسل, و محفوفة بالغلمان و الولدان مزينة بالحور العين من الخيرات الحسان كأنهن الياقوت و المرجان لم يطمثهن إنس و لا جان, آمنات من الهرم مقصورات في الخيام, ثم يطاف عليهم و عليهن بأكواب و أباريق و كاس من معين بيضاء لذة للشاربين, و يطوف عليهم خدام وولدان كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون, في مقام أمين في جنان و عيون في جنات و نهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر و ينظرون فيها إلى وجه الملك الكريم و قد أشرقت في وجوههم نضرة النعيم, لا يرهقهم قتر و لا ذلة بل عباد مكرمون و بأنواع التحف من ربهم يتعاهدون, فهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون, لا يخافون فيها و لا يحزنون و هم من ريب المنون آمنون, فهم يتنعمون و يأكلون من أطعمتها و يشربون من أنهارها لبنا و خمرا و عسلا, فيا عجبا ممن يؤمن بدار هذه صفتها, و يوقن أنه لا يموت أهلها و لا تحل الفجائع بمن نزل بفنائها و لا تنظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها كيف يأنس بدار قد أذن الله في خرابها و يهنأ بعيش دونها, و الله لو لم يكن فيها إلا سلامة الأبدان مع الأمن من الموت و الجوع و العطش و سائر أصناف الحدثان لكان جديرا بأن يهجر الدنيا بسببها و أن لا يؤثر عليها ما التصرم و التنغص من ضرورته - كيف و أهلها ملوك آمنون و في أنواع السرور متمتعون, لهم فيها ما يشتهون و هم بفناء العرش يحضرون, و إلى وجه الله الكريم ينظرون, و ينالون بالنظر إلى وجه الله ما لا ينظرون معه على سائر نعيم الجنان و لا يلتفتون, و هم على الدوام بين أصناف هذه النعم يترددون, و هم من زوالها آمنون. عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ينادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا, و عن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا, و أن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا, و إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا" [1] , فذلك قول الله عز و جل: وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون َ (الأعراف:43) .
فصل: في أن الجنة فوق ما يخطر بالبال أو يدور في الخيال و أن موضع سوط منها خير من الدنيا و ما فيها:
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الله عز و جل:"أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر", [2] مصداق ذلك في كتاب الله فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون َ (السجدة:17)
و ثبت عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: ليس في الدنيا شىء مما في الجنة إلا الأسماء, فليس العسل كالعسل, و ليس الخمر كالخمر, و ليس العنب كالعنب.
و مهما قرأت في وصف نعيمها ببالك من متاعها و عجائبها فهي أعجب مما قرأت و أطيب مما خطر على قلبك, و عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب". [3]
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: و كيف يقدر قدر دار خلقها الله بيده و جعلها مقرا لأحبابه و ملأها من رحمته و كرامته و رضوانه, ووصف نعيمها بالفوز العظيم, و ملكها بالملك الكبير, و أودعها الخير بحذافيره, و طهرها من كل عيب و آفة و نقص, فإن سألت عن أرضها و تربتها فهي المسك و الزعفران, و إن سألت عن سقفها هو عرش الرحمن, و إن سألت عن ملاطها فهو المسك و الأذفر, و إن سألت عن حصبائها فهو اللؤلؤ و الجوهر, و إن سألت عن بنائها فلبنة من فضة و لبنة من ذهب, و إن سالت عن بنائها فما فيها شجرة إلا و ساقها من ذهب أو فضة لا من الحطب و الخشب, وإن سألت عن ثمارها فأمثال القلال ألين من الزبد و أحلى من العسل, و إن سألت عن ورقها فأحسن ما يكون من رقائق الحلل, و إن سألت عن أنهارها فأنهار من لبن لم يتغير طعمه و أنهار من خمر لذة للشاربين و أنهار من عسل مصفى.
فصل في بيان صفة أبواب الجنة و درجاتها و أبنيتها:
أبواب الجنة:
عن سهل بن سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"في الجنة ثمانية أبواب باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون". [4]
(1) إحياء علوم الدين (2997 - 2999) باختصار و تصرف وتصرف و الحديث رواه مسلم (17/ 175) الجنة و صفة نعيمها, و الترمذى (12/ 124, 125) التفسير.
(2) رواه البخاري (6/ 318) بدء الخلق, ومسلم (17/ 166) الجنة و صفة نعيمها, و ابن ماجة (4328) الزهد.
(3) رواه البخاري (6/ 320) بدء الخلق, و رواه مسلم بلفظ"لغدوة فهي سبيل الله أو روحة" (13/ 26) الإمارة, و الترمذى (7/ 155) الجهاد.
(4) رواه البخاري (6/ 328) بدء الخلق, و مسلم (8/ 32) الصيام, بلفظ"فهي الجنة باب يقال له الريان".