وكان عمر ينظر، حين تعيينه أحد عماله، إلى بعض الخصائص والطباع والعادات والأعراف، فلقد عُرف أنه كان ينهى عن استعمال رجل من أهل الوبر على أهل المدر (1) ، وأهل الوبر هم ساكنوا الخيام، وأهل المدر هم ساكنوا المدن وهذه نظرة اجتماعية سلوكية في آن معًا، في اختيار الموظفين، فلكل من أهل الوبر والمدر طبائع وخصائص وأخلاق وعادات وأعراف مختلفة، ومن الطبيعي أن يكون الوالي عارفًا بنفسية الرعية، وليس من العدل أن يتولى أمرها رجلٌ جاهل بها، فقد يرى العُرف نُكرًا وقد يرى الطبيعي غريبًا، فيؤدي ذلك إلى غير ما يتوخاه المجتمع من أهداف يسعى إلى تحقيقها (2) .
5-الرحمة والشفقة على الرعية:
كان عمر رضي الله عنه يتوخى في ولاته الرحمة والشفقة على الرعية، وكم من مرة أمر قادته في الجهاد ألا يغرروا بالمسلمين ولا ينزلوهم منزل هلكة، وكتب عمر لرجل من بني أسلم كتابًا يستعمله به، فدخل الرجل على عمر وبعض أولاد عمر في حجر أبيهم يُقبّلهم. فقال الرجل: تفعل هذا يا أمير المؤمنين؟ فوالله
ما قبَّلت ولدًا لي قط، فقال عمر: فأنت والله بالناس أقل رحمة، لا تعمل لي عملًا، ورده عمر فلم يستعمله (3) ، وغزت بعض جيوشه بلاد فارس حتى انتهت إلى نهر ليس عليه جسر فأمر أمير الجيش أحد جنوده أن ينزل في يوم شديد البرد لينظر للجيش مخاضة يعبر منها، فقال الرجل: إني أخاف إن دخلت الماء أن أموت، فأكرهه القائد على ذلك، فدخل الرجل الماء وهو يصرخ: يا عمراه يا عمراه! ولم يلبث أن هلك، فبلغ ذلك عمر وهو في سوق المدينة. فقال: يا لبيكاه يا لبيكاه، وبعث إلى أمير ذلك الجيش فنزعه وقال: لولا أن تكون سنّة لأقدت منك،
(1) نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي (1/282) .
(2) نفس المصدر (1/283) .
(3) محض الصواب (2/519) .