إن استمرارّية معنى الزيادة في الصيغ الزمنية لجذري الانتماء توحي، بمعنى أصيلٍ لاحظناه فيهما ألا وهو التطوّر بالإضافة إلى الأصل وليس بإلغائه. وأمّا ظاهرة الاتفاق والافتراق في معاني تلك الصيغ فتدل دلالة عميقة على أن المنتمين إلى رابطة إنسانية معينة يتقاربون، ولا يتطابقون، في مشاعرهم وأفكارهم. وهذه الظاهرة ليست خاصة بصيغتي المزيد بحرف أو المزيد بحرفين بل نجدها شاملة لصيغ المجرّد والمزيد شمولًا يدل على أصالتها، وعلى معرفة الجاهلي لطبيعة العلاقات بين المنتمين إلى رابطة إنسانية معينة، وتمثّل لذلك الشمول بمجيئ (فَعَل وأَفْعَل، وأفْتَعَلَ) بمعنى الانتساب إلى الأجداد والارتفاع إليهم وبهم؛ فمنَ الأول (فَعَل) قول زهير بن أبي سُلمى: [1]
يَنْمي إلى ميراثِ والدِهِ ... كلُّ امرئٍ لأُرومَةٍ يَنْمِي
ومن الثاني (أفْعَل) قول زهير أيضًا يمدح حصنًا [2] :
حُذيْفَةُ يُنْمِيهِ وَبدْرٌ كِلاهُما ... إلى باذِخٍ يَعْلُو عَلَى مَنْ يُطَاوِلُهْ
ومن الثالث (افْتَعَل) قول دريد بن الصمّة، وقد جمع بين (انتمى) و (نَمَى) [3]
ولكنّني أَحْمِي الذّمارَ وأَنْتَمي ... إلى سَعْي آباءٍ نَمَوا شَرَفي قَبْلي
ومثله قول ضرار بن الخطاب الفهري [4] :
إنّي لأنْمِي إذا انتميتُ إلى ... حيّ كِرامٍ وَمَعْشَرٍ صُدُقِ
(لفظة الانتماء) إن لفظة (الانتماء) مصدر انتمى ينتمي، هي بيت القصيد في هذه الدراسة إذ تحمل المعاني الأصيلة في ظاهرة الانتماء وقد وقفنا آنفًا على معنين هما:
(1) -شعر زهير ص271. وانظر ديوان أوس ص26.
(2) -شعر زهير ص56. وانظر ديوان طرفة ص127.
(3) -دريد بن الصمة الجشمي، 1981م، ديوان دريد بن الصمة الجشمي، جمع وتحقيق وشرح محمد خير البقاعي، دار قتيبة، دمشق، ص99. والذمار: الديار.
(4) -ضرار بن الخطاب الفهري، 1410هـ، شعر ضرار بن الخطاب الفهري، جمعه وحققه فاروق أحمد اسليم، دار أمية، الرياض، ص51.