فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 483

بابلو…: ذات مساء كنت وحيدًا، ورأيتها قادمة تجرّ نفسها جرًّا، وفي خصرها بقعة حمراء، حاولت أن أنظّف تلك البقعة، لكنّها كانت تنظر إليّ بعينين حزينتين وكأنها تقول:"لا تتعب نفسك يا صغيري؛ لا جدوى من سعيك"واضطجعتُ قرب النار تنتظر. وأحسست فجأة أن شيئًا باردًا غامضًا يخترق الباب، وأن أمرًا رهيبًا سيحدث أمامي دون أن أستطيع حياله شيئًا. وهكذا وقفت ارتجف في إحدى الزوايا حتى أدركت بوضوح أن عينيها لا تزالان هناك، لكنّ نظرتها لم تعد موجودة ولما جاء والدي ولفظ كلمة"موت"، لم أجد لها لزومًا، لأني كنت أدركت معناه أتفهمين الآن.

مارغا…: لا أدري... الموت سكينة تُرى وبرد يُلمس. أما الله...

بابلو…: الأمر ذاته. أنا لا أستطيع فهم آلة طابعة دون أن تشرحيها لي. فهي جد معقدّة. أما الموت والله فهما، على النقيض، بسيطان للغاية.

مارغا…: وهل اكتشفت الله وحدك أيضًا؟

بابلو…: قد يكون مثل اكتشافك له. هو شيء آخر طبيعي.

مارغا…: لكن، ربما كنت سمعت بهذه الكلمة على الأقل.

بابلو…: سمعت الكلمة. لكن ما قيمة الكلمات إذا كنت لا تعرفين ما تحمله من معان؟ كان ذلك حين عودتي من الصيد، وقد ابتعدت عن والدي ووجدت نفسي ضائعًا في جبل مقفر. أكنت ذات مرة وحيدة في الجبل وقت انفجار العاصفة؟

مارغا…: أبدًا.

بابلو…: كان الليل يبدو أنه يحبس أنفاسه بانتظار ما لا أدري."وساد صمت عميق جدًا، وسرت قشعريرة من نقرتي حتى حوافر الحصان. حينئذ أدركت كم أنا صغير، وكم أنا وحيد معزول تمامًا. ضغطت بيأس على المهمازين لأهرب من تلك الوحدة، لكن دون جدوى: فالحصان كان لا يزال يرتجف دون أن يتحرّك. وفجأة أحسست أني لست وحيدًا. بل إن أحدًا ما كان يدنو منّي في العتمة ويناديني من الأرض ويطوّقني مع الريح، وينظر إليّ من علياء النجوم. شيء أكبر منّي كثيرًا، لكنه كان يريد أن يحل في داخلي ليملأ وحدتي البشرية، لم أستطع مقاومة الخوف، وصحت بالكلمة الوحيدة القادرة على نزعة منّي:"يا الله!"في تلك اللحظة انفجر الرعد كجواب على صيحتي، وأضيء الليل كله بالبروق. حينئذ أدركت ببساطة أن من كان معي هو الله. (صمت قصير يمسك العلبة الموسيقية ويشرع بربط الحبل تتأمله مارغا متفكرة. والتفت ببشاشة) لماذا ظللت تفكرين؟ أليس الأمر واضحًا؟"

مارغا…: نعم، يا بابلو، أنا لم أجده وبهذا الوضوح أبدًا.

بابلو…: إذًا، كفانا ثرثرة وهيّا إلى العمل.

مارغا…: ألا تزال لديك رغبة في العمل اليوم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت