فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 2551

في القصاص وغيره {فأولئك هم الظالمون} أي: الذين تركوا العدل فضلّوا فصاروا كمن يمشي في الظلام فإن كان تديُّنًا بالترك كان نهاية للظلم وهو الكفر وإلا كان عصيانًا لأنّ الله تعالى أحق أن يخشى ويرجى.

{وقفينا} أي: أتبعنا {على آثارهم} أي: النبيّين الذين يحكمون بالتوراة {بعيسى بن مريم} صلى الله عليه وسلم ونسبه تعالى إلى أمّه إشارة إلى أنّه لا والد له تكذيبًا لليهود وإلى أنه عبد مربوب تكذيبًا للنصارى {مصدّقًا لما بين يديه} أي: قبله مما أتى به موسى عليه السلام {من التوراة} وأشار تعالى بقوله: {وآتيناه الإنجيل} أي: أنزلناه عليه كما أنزلنا التوراة على موسى عليهما الصلاة والسلام إلى أنه ناسخ لكثير من أحكامها {فيه هدى} من الضلالة {ونور} أي: بيان للأحكام وقوله تعالى: {ومصدّقًا} أي: الإنجيل حال {لما بين يديه} أي: قبله.

ولما كان الذي نزل قبله كثيرًا بين المراد بقوله: {من التوراة} أي: لما فيها من الأحكام فالأول: صفة لعيسى عليه الصلاة والسلام والثاني: صفة لكتابه أي: فهو والتوراة والإنجيل يتصادقون فكل من الكتابين يصدق الآخر وهو يصدقهما لم يتخالفوا في شيء بل هو متخلق بجميع ما أتى به {وهدى وموعظة للمتقين} أي: كل ما فيه يهتدون به ويتعظون فترق قلوبهم ويعتبرون به.

{وليحكم أهل الإنجيل} وهم اتباع عيسى عليه الصلاة والسلام {بما أنزل الله فيه} أي: من الأحكام، وقرأ حمزة بكسر اللام ونصب الميم عطفًا على معمول آتيناه والباقون بكسر اللام وسكون الميم على الأمر أي: فلينته أهل التوراة عما نسخ منها وليحكم أهل الإنجيل إلخ.. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} أي: المختصّون بكمال الفسق فإن كان تديّنًا كان كفرًا وإن كان لاتّباع الشهوات كان مجرد معصية لأنّ الحظوظ والشهوات تحمل على الخروج من دائرة الشّرع مرّة بعد أخرى.

{وأنزلنا إليك} يا محمد خاصة {الكتاب} أي: الكامل في جمعه لكل ما يطلب منه وهو القرآن وقوله تعالى: {بالحق} متعلق بأنزلنا {مصدّقًا لما بين يديه} أي: قبله.

لما كانت الكتب السماوية من شدّة تصادقها كالشيء الواحد عبّر تعالى بالمفرد فقال: {من الكتاب} أي: الكتب المنزّلة التي جاء بها الأنبياء من قبل، فاللام الأولى في الكتاب للعهد؛ لأنه عني به القرآن والثانية للجنس لأنه عني به جنس الكتب المنزلة {ومهيمنًا عليه} أي: رقيبًا على سائر الكتب أي: يحفظها من التغيير والتبديل ويشهد لها بالصحة والثبات {فاحكم بينهم} أي: بين جميع أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك {بما أنزل الله} إليك في هذا الكتاب الناسخ لكتبهم المهيمن عليها في إثبات ما أسقطوه منها من أمرهم باتباعك ونحو ذلك من أوصافك {ولا تتبع أهواءهم} فيما خالفه عادلًا {عما جاءك من الحق} بالانحراف عنه إلى ما يشتهونه.

{لكل جعلنا منكم} أيّها الأمم {شرعة} أي: دينًا موصلًا إلى الحياة الأبدية والشرعة هي الطريقة إلى الماء، شبّه بها الدّين لأنها موصلة إلى الماء الذي به الحياة الدنيوية {ومنهاجًا} أي: طريقًا واضحًا في الدين ناسخًا لما قبله، وقد جعلنا شرعتك ناسخة لجميع الشرائع وأمثاله مما يدل على أنا لسنا متعبدين بالشرائع المتقدّمة وأنّ كل رسول غير متعبد بشرع من قبله وهو محمول على الفروع وما دلّ على الاجتماع كآية شرع لكم من الدين محمول على الأصول.

{ولو شاء الله لجعلكم أمّة}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت