بالإسراء تارة وبإمساك المطر لما دعا بسبع كسبع يوسف عليه السلام وبإرساله أخرى كما في أحاديث كثيرة، وأتى مع ذلك بمفاتيح خزائن الأرض كلها، فردّها صلى الله عليه وسلم.
{ومن} أي: وسخرنا لسليمان من {الشياطين} الذين هم أكثر شيء تمردًا وعتوًا {من يغوصون له} أي: يدخلون في البحر، فيخرجون منه الجواهر وغيرها من المنافع وذلك بأن أكثفنا أجسامهم مع لطافتها لتقبل الغوص في الماء معجزة في معجزة، وقد خنق نبينا صلى الله عليه وسلم العفريت الذي جاءه بشهاب من نار، وأسر جماعة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم عفاريت أتوا إلى تمر الصدقة، وأمكنهم الله تعالى منهم {ويعملون عملًا دون ذلك} أي: سوى الغوص كبناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة كقوله تعالى: {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل} (سبأ، 13)
الآية {وكنا لهم حافظين} أي: حتى لا يخرجوا عن أمره، وقال الزجاج: معناه: حفظناهم من أن يفسدوا ما عملوا، وكان من عادة الشياطين إذا عملوا عملًا بالنهار، وفرغوا منه قبل الليل أفسدوه وخربوه، وفي القصة أن سليمان كان إذا بعث شيطانًا مع إنسان ليعمل له عملًا قال له: إذا فرغ من عمله قبل الليل فأشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل ويخربه.
القصة السادسة: قصة أيوب عليه السلام المذكورة في قوله تعالى:
{س21ش83 وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}
{وأيوب} أي: واذكر أيوب ويبدل منه {إذ نادى ربه} قال وهب بن منبه: كان أيوب عليه السلام رجلًا من الروم وهو أيوب بن أموص بن رزاح بن روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمّه من ولد لوط بن هاران، وكان الله تعالى قد اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا.
وكانت له الثنية من أرض البلقاء من أعمال حوران من أرض الشام كلها سهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف المال كله من الإبل والبقر والغنم، والخيل والحمير ما لا يكون لرجل أفضل منه في العدّة والكثرة.u
وكان له خمسمائة فدّان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وعبد وولد ومال، ويحمل آلة كل فدّان أتان لكل أتان من الولد اثنان أو ثلاث أو أربع أو خمس وفوق ذلك.
وكان الله تعالى قد أعطاه أهلًا وولدًا من رجال ونساء، وكان برًّا تقيًا رحيمًا بالمساكين يطعمهم ويكفل الأيتام والأرامل، ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل، وكان شاكرًا لأنعم الله مؤديًا لحق الله تعالى قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الغرّة والغفلة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا.
وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وصدقوه رجل من اليمن يقال له اليفن، ورجلان من بلده يقال لأحدهما بلدد، والآخر صابر، وكانوا كهولًا، وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السموات، وكان يقف فيهنّ حيثما أراد حتى رفع الله تعالى عيسى عليه السلام، فحجب من أربع، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم عن السموات كلها إلا من استرق السمع، فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب عليه السلام، وذلك حين ذكره الله تعالى وأثنى عليه، فأدركه البغي والحسد، فصعد سريعًا حتى وقف من السماء موقفًا كان يقفه، فقال: إلهي نظرت في أمر عبدك أيوب، فوجدته عبدًا أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك، ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك، ولخرج من طاعتك؛ قال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ماله، فانقض عدو الله إبليس حتى وقع على الأرض، ثم جمع عفاريت