اعتبارًا بقوله تعالى: {وحشرناهم} والمعنى واحد لأنها إذا سيرت فمسيرها ليس إلا الله تعالى. النوع الثاني قوله تعالى: {وترى الأرض} بكمالها {بارزة} لا غار فيها ولا صدع ولا جبل ولا نبت ولا شجر ولا ظل فبقيت بارزة ظاهرة ليس عليها ما يسترها وهو المراد من قوله تعالى: {لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا} (طه، 106)
وقيل: إنها أبرزت ما في بطنها وقذفت الموتى المقبورين فيها فإذا هي بارزة الجوف والبطن فحذف ذكر الجوف كما قال تعالى: {وألقت ما فيها وتخلت} (الانشقاق، 4)
وقال تعالى: {وأخرجت الأرض أثقالها} (الزلزلة، 2)
.النوع الثالث قوله تعالى: {وحشرناهم} أي: الخلائق قهرًا إلى الوقت الذي تنكشف فيه المخبآت وتظهر القبائح والمغيبات ويقع الحساب فيه على النقير والقطمير والناقد فيه بصير {فلم نغادر} أن نترك {منهم} أي: الأوّلين والآخرين {أحدًا} لأنه لا ذهول ولا عجز، ونظيره قوله تعالى: {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} (الواقعة: 50، 51)
فإن قيل: لم جيء فحشرناهم ماضيًا بعد نسير وترى؟ أجيب: بأن ذلك يقال للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز ليعاينوا تلك الأهوال العظائم، كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك. ولما ذكر تعالى حشرهم وكان من المعلوم أنه للعرض ذكر كيفية ذلك العرض فقال بانيًا الفعل للمفعول على طريقة كلام القادرين ولأن المخوف العرض لا لكونه من معين
{وعرضوا على ربك} المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك، وقوله تعالى: {صفًا} حال أي: مصطفين واختلف في تفسيره على وجوه؛ الأوّل: أن تعرض الخلق كلهم صفًا واحدًا لاتساع الأرض ظاهرين لا يحجب بعضهم بعضًا، ثانيها: لا يبعد أن يكونوا صفًا يقف بعضهم وراء بعض مثل الصفوف المحيطة بالكعبة التي تكون بعضها خلف بعض وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى: صفًا صفوفًا كقوله تعالى: {يخرجكم طفلًا} (غافر، 67)
أي: أطفالًا، ثالثها: المراد بالصف القيام كما في قوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} (الحج، 36)
أي: قيامًا وقيل: كل أمّة صف ويقال لهم: {لقد جئتمونا كما خلقناكم أوّل مرّة} أي: فرادى حفاةً عراةً غرلًا وليس المراد حصول المساواة من كل وجه لأنهم خلقوا صغارًا ولا عقل لهم ولا تكليف عليهم بل المراد ما مرّ ويقال لمنكري البعث: {بل زعمتم أن} أي: أنا {لن نجعل لكم موعدًا} أي: مكانًا ووقتًا نجمعكم فيه هذا الجمع فننجز لكم ما وعدناكم به على ألسنة رسلنا فكنتم مع التعزز على المؤمنين بالأموال والأنصار منكرين البعث والقيامة فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا وشاهدتم أن القيامة والبعث حق.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: «أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلًا كما بدأنا أوّل خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين ألا وإن أوّل خلق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ألا وإنه سيجاء برجال من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم إلى قوله العزيز الحكيم، قال: فيقال لي إنهم لم يزالوا مدبرين على أعقابهم منذ فارقتهم» وفي رواية فأقول: «سحقًا سحقًا» وقوله: غرلًا أي: قلفا الغرلة القلفة التي تنقطع من جلد الذكر وهو موضع الختان وقوله: سحقًا أي: بعدًا. قال بعض العلماء: المراد بهؤلاء الذين ارتدوا من العرب بعده، وعن عائشة رضي الله تعالى