الالتفات إلى الأمور؛ وذلك أن الشريعة قد التفتت إلى مصالح كلية كبرى وهي أن تحفظ على الناس دينهم، ولهذا جاءت الشريعة أن المرتد يقتل، وجاءت الشريعة بعقوبة الداعي إلى بدعته، وهكذا أيضًا جاءت الشريعة بحفظ الدماء، وهذا مقصد ثان، ومن هنا أوجبت الشريعة القصاص في القتل، وجاءت الشريعة أيضًا بحفظ الأموال ولهذا أوجبت الشريعة قطع يد السارق، وكذلك جاءت الشريعة بحفظ العقول، ولهذا أوجبت الشريعة حد المسكر على من شرب الخمر، وكذلك حفظت الشريعة على الناس أنسابهم وأعراضهم، فمن مقاصد الشرع التي حفظها ديننا الأنساب والأعراض، ومن هنا جاءت الشريعة بإثبات حد الزنا، وبإثبات حد القذف ثمانين جلدة. هذه الأمثلة التي ذكرنا أمثلة لمصالح معتبرة ضرورية؛ لكن لو قدرنا أن هناك مصالح ضرورية مرسلة لم يأت دليل بإثباتها ولا بإلغائها، فإذا كان هناك مصالح ضرورية مرسلة فهل يصح لنا أن نثبت حكمًا بناء عليها من أجل المحافظة عليها؟
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَتْ حُجَّةً، إِذْ لَمْ تُعْلَمْ مُحَافَظَةُ الشَّرْعِ عَلَيْهَا؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْرَعْ فِي زَوَاجِرِهَا أَبْلَغَ مِمَّا شَرَعَ، كَالْقَتْلِ فِي السَّرِقَةِ، فَإِثْبَاتُهَا حُجَّةً وَضْعٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ كَقَوْلِ مَالِكٍ: يَجُوزُ قَتْلُ ثُلُثِ الْخَلْقِ لِاسْتِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ، وَمُحَافَظَةُ الشَّرْعِ عَلَى مَصْلَحَتِهِمْ بِهَذَا الطَّرِيقِ غَيْرُ مَعْلُومٍ.
اختلف أهل العلم في هذا على قولين:
القول الأول: هو قول مالك وبعض الشافعية بأن المصالح الضرورية المرسلة حجة، واستدلوا على ذلك بأن رعاية هذه المصالح يؤدي إلى حفظ مقاصد الشريعة، والمحافظة على مقاصد الشرع قد دل على اعتبارها أدلة كثيرة.
والقول الثاني: أنه لا يصح الاستدلال بهذا النوع من أنواع المصالح ولو كانت ضرورية، وقالوا: لأنه لم يعهد من الشرع المحافظة على هذه المصالح بكل طريق وإنما جاء بطرق محددة،