الدليل الأول: أن الصحابة قد اجمعوا على الاستدلال بالنصوص العامة
خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ [1] ،
مع أن أكثر العمومات قد ورد عليه تخصيص، ويمكن أن يقال في هذا الدليل أن الصحابة قد أجمعوا على التمسك بالعمومات المخصوصة، وإجماع الصحابة من الحجج الشرعية القاطعة.
الدليل الثاني: استصحاب حال كون العام حجة، فإن العام قبل التخصيص كان حجة بالإجماع، فبعد ورود التخصيص عليه يبقى على ما كان عليه من الحجية، لأن التخصيص إنما رفع بعض الأفراد فيبقى الباقي على الأصل من دلالة اللفظ العام عليه.
ويمكن أن يستدل بأدلة أقوى من هذا الدليل الأخير حجة منها: أن القرآن قد نزل بلغة العرب، والعرب تحتج بالعام بعد تخصيصه في كلامها.
وكذلك يمكن أن يقال: إن النصوص الدالة على العمل بالكتاب والسنة تشمل العام بعد التخصيص في مثل قول الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء:59] فإن من ضمن ما يشمله هذا الدليل العموم الذي ورد عليه تخصيص، وكما في قوله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7] ومما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - العام المخصوص.
القول الثاني في المسألة: أن العام بعد التخصيص لا يبقى حجة وهو منسوب لأبي ثور وعيسى بن أبان، وكثير من أهل العلم يشكك في هذا القول ويرى أنه لا تصح نسبته إلى هذين الإمامين, وبعض الحنفية يقول: إن عيسى بن
(1) أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، فقيه شافعي، له رواية، وله مصنفات في الأحكام جمع فيها بين الحديث والفقه، توفي ببغداد سنة 240 هـ. ينظر: الثقات (8/ 74) تاريخ بغداد (6/ 65) وفيات الأعيان (1/ 26) طبقات الشافعية الكبرى (2/ 74) .