بل الصادق كلما وجد مس الاغتراب، وذاق حلاوته وتنسم روحه، قال: اللهم زدني اغترابًا، ووحشة من العالم، وأنسًا بك،وكلما ذاق حلاوة هذا الاغتراب وهذا التفرد، رأى الوحشة عين الأنس بالناس، والذل عين العز بهم، والجهل عين الوقوف مع آرائهم، وزبالة أذهانهم، والانقطاع عين التقيد برسومهم وأوضاعهم، فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدًا من الخلق، ولم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يجدي عليه إلا الحرمان. وغايته: مودة بينهم في الحياة الدنيا، فإذا انقطعت الأسباب، وحقت الحقائق، وبعثر ما في القبور،وحصل ما في الصدور، وبليت السرائر، ولم يجد من دون مولاه الحق من قوة ولا ناصر: تبين له حينئذ مواقع الربح والخسران، وما الذي يخف أو يرجح به الميزان، والله المستعان، وعليه التكلان [1] .
الأنبياء... ونعمة الرضا
ومما لا شك فيه أن الأنبياء والمرسلين (صلوات ربي وسلامه عليهم) هم أرضى الناس عن الخالق (جل وعلا) :
* عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شَنَّة [2] فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة [3] ، ثم رجع إبراهيم إلى أهله فاتبعته أم إسماعيل حتى لما بلغوا كداء نادته من ورائه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيت بالله» [4] .
عن أبي رجاء محمد بن سيف قال: سمعت الحسن يقول في قوله: { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ... } [البقرة: 124] قال: «ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بذبح ابنه فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه وابتلاه بالنار فرضي عنه،وابتلاه بالختان فرضي عنه» [5] .
(1) مدارج السالكين (2/ 172-173) .
(2) الشَنَّة: هي القربة الصغيرة.
(3) الدوحة: الشجرة الكبيرة.
(4) البخاري - الفتح 6 ( 3365) .
(5) الرضا عن الله لابن أبي الدنيا (ص: 110) .