* قال عبد الله بن المبارك: قال داود لابنه سليمان عليهما السلام: «يا بني، إنما تستدل على تقوى الرجل بثلاثة أشياء: لحسن توكله على الله فيما نابه، ولحسن رضاه فيما آتاه، ولحسن زهده فيما فاته» [1] .
* رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ورضا فوق الخيال *
كان رضا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ربه فوق ما يصفه الواصفون، فهو راضٍ في الغنى والفقر، راضٍ في السلم والحرب، راض وقت القوة والضعف، راض وقت الصحة والسقم، راض في الشدة والرخاء.
عاش - صلى الله عليه وسلم - مرارة اليُتم، وأسى اليُتم، ولوعة اليتيم فكان راضيًا، وافتقر - صلى الله عليه وسلم - حتى ما يجد دقل التمر، وكان يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، ويقترض شعيرًا من يهودي ويرهن درعه عنده، وينام على الحصير فيؤثر في جنبه، وتمر ثلاثة أيام لا يجد شيئًا يأكله، ومع ذلك كان راضيًا عن الله رب العالمين: { تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا } [الفرقان: 10] .
ورضى عن ربه وقت المجابهة الأولى، يوم وقف هو في حزب الله، ووقفت الدنيا - كل الدنيا - تحاربه بخيلها ورجلها، بغناها وبزخرفها، بزهوها وبخيلائها، فكان راضيًا عن الله رضي عن الله في الفترة الحرجة، يوم مات عمه وزوجته خديجة، وأوذي أشد الأذى، وكُذّب أشد التكذيب، وخدشت كرامته، ورمي في صدقه، فقيل له: كذاب وساحر، وكاهن ومجنون وشاعر.
ورضى يوم طُرد من بلده ومسقط رأسه التي فيها مراتع صباه وملاعب طفولته وأفانين شبابه، فيلتفت إلى مكة وتسيل دموعه، ويقول: «إنك أحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» .
ورضى عن الله وهو يذهب إلى الطائف ليعرض دعوته، فيواجه بأقبح رد، وبأسوأ استقبال، ويرمي بالجارة، حتى تسيل قدماه، فيرضى عن مولاه.
(1) الدر المنثور - السيوطي (1/ 62) .