أما تحسين الترمذي: فناشئ عن تساهل يصدر منه في بعض الاحيان ، ولذلك لا يعتمد الحفاظ حكمه مالم يحُكُّوه بمعيار النقد على أصول الحديث ، وقد صرح الذهبي بهذا فقال في الميزان (2/354) في ترجمة كثير بن عبدالله بن عمرو المزني بعد نقله كلام الجارحين له والمتهمين إياه بالكذب ما نصه:"واما الترمذي فروى من حديثه (الصلح جائز بين المسلمين) وصححه،فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي".اهـ ومن أراد التحقق بهذا فعليه بكتب التخريج والخلاف ليملأ حقيبته بأمثلة ردود العلماء على الترمذي ، ويكفيه بعد حكاية الذهبي ان يعلم أن الصحيح هو ما رواه العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ و ولا علة ، فإذا خف الضبط مع وجود الشروط الأخرى ، فهو الحسن لذاته ، فمن فهم هذا ورأى الترمذي يحسن الأحاديث الشاذة والمعللة على ان ذلك من تساهله ولم يبق له اعتماد عليه خصوصا إذا قرأ قوله في (العلل) الموجودة بآخر جامعه ما نصه:"وعندنا كل حديث يروى لا يكون في اسناده متهم بالكذب ، ولا يكون الحديث شاذا، وروي من غير وجه نحو ذلك ، فهو عندنا حديث حسن"،اهـ ، ثم وجده بعد ذلك يصحح الأحاديث التي فيها المتهمون بالكذب كحديث (الصلح جائز بين المسلمين) ، ويحسن الأحاديث الشاذة ، والتي انفرد بها راويها كحديث سماك المذكور، لم يبق له ريب في تساهله بل وفي تناقضه ، وبذلك يسقط استعظامه لمخالفة الترمذي وينقضي عجبه من رد حكمه بحسن الحديث. ).
قلت: أما كلامه عن تساهل وتناقض الترمذي فهو مردود بقوله هو بنفسه في إحدى رسائله إلى بعض تلامذته:"لم يقل أحد أن تصحيح الترمذي لا يقبل ،هكذا على الإطلاق .بل تصحيحه مقبول إلا في أحاديث معدودة ،ضعف فيها رأيه ،كما وقع للبخاري والحاكم والنسائي وسائر عباد الله ."