وقد يكون من النادر أن نجد شاعرًا يبدأ قصيدةً يمدح أميرًا أو ملكًا بمناسبة نصره على الأعداء بمقدمة غزلية، لكنّنا إذا تعمّقنا في قراءة غرض القصيدة نجد وصفًا لجمال النساء السّبايا اللاّتي أخذهُنَّ عمرو بن هند عندما انتصر على القوم الّذين غزاهم، إذ يقول:
فَصَبّحهُمْ بها صَهْباءَ صِرْفًا ... كَأَنّ رؤوسهم بَيْضُ النَّعام
فَذاقَ الموْتَ منْ بَرَكَتْ عليه ... وبالنّاجينَ أظفارٌ دَوام
وَهُنَّ كأنهنَّ نِعاجُ رَمْل ... يُسوّينَ الذُّيُولَ على الخدام
يُوَصّينَ الرّواةَ إذا أَلَمُّوًا ... بِشُعْثٍ مُكْرَهينَ على الفِطامِ [1]
ويبدو أنّ فرح ابن هند بهذه الغنيمة من النساء قد هيّأ للشاعر الجوّ ليدغدغ عاطفة هذا الملك الذي عرف بتصابيه كما هو مذكور في معلقة عمرو بن كلثوم [2] .
ولابدّ هنا من الإشارة إلى ذكاء الشاعر وفنّه في عدم الإتيان بما هو ليس مناسبًا في مقدمات قصائده.
فالشعر الجاهلي إذن (( يتسم بكلّ سمات الفنّ في قربه من المنابع البدائية للفن وامتياحه منها، وفي قيامه بوظيفة أساسية كسلاح تواجه به الحياة في الدّفاع عن كيانه
ونفسه )) [3] .
(1) م. ن: 135.
(2) ينظر: شرح المعلقات السّبع: 103.
(3) المنهج الاسطوري: في تفسير الشعر الجاهلي: 102.