قوله [مع وجود الجنون أو الإغماء أو السُكر] . الجنون معروف وسبق والإغماء: حالة طارئة على الإنسان يفقد فيها شعوره بما حوله. والغالب أنه يصاحبها احتلام.
قوله [أو السكر] يقصد به: ما ساكر العقل وخامره، بحيث أفقده اتزانه من التمييز بين الأشياء، ومن اعتدال الهيئة والحركات وما إلى ذلك فمن أصاب عقله جنون أو فقد بطارئ، كإغماء أو سُكر ونحهما، فإن الإحرام لا ينْعقد لا بحجّ ولا بعمرة؛ وذلك لأن الإحرام أو النسك قد فقد شرطًا من شروطه الرئيسية، هي العقل، وسبق التدليل على شرطية العقل، وكونه واجب فيمن يجب عليه الحج أو العمرة كما سبق.
يقول المصنف ـ يرحمه الله تعالى ـ: [وإذا انعقد: لم يبطل إلا بالردة، لكن يفسد بالوطء في الفرج قبل التحلل الأول: ولا يبطل، بل يلزمه: إتمامه، والقضاء]
قول المصنف ـ يرحمه الله ـ: [وإذا انعقد] .
يعني: الإحرام بالنسك سواءٌ أكان حجًا أم عمرة، وسياق الكلام هنا في الحج.
قوله: [لم يبطل إلا بالردة] .
البطلان حقيقته عند الأصوليين والفقهاء: عدم صحة الشيء، ويُفَرِق بعضهم بين البطلان والفساد، والمذهب أنه لا تفريق، وعليه عمل جمهور فقهاء المذهب.
قوله: [إلا بالردة] .
الردة هي: النكوص إلى الكفر بعد إيمان. وبهذا عرفها جمهور الفقهاء، وتقع بعبادات أو أفعال أو اعتقادات.
والمُتحصل من كلام المصنف ـ يرحمه الله ـ أن الإحرام بالنسك إذا انعقد؛ فإن النسك لا يبطل إلا في حالة واحدة، ثم استدرك أخرى.
أما الحالة الأولى: فهي أن يرتد بعد إسلام، ودليل بُطلان ذلك شيئان:
أما الأول: فالنص: حيث قال الله عز وجل: {إنما المشركون نَجَس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} . وفيه دلالة على أن الكافر سواءٌ أكان أصليًا، أم مرتدًا؛ لوجود وصف الكفر فيهما، لا يجوز له البقاء في المسجد الحرام. ومعلوم أن شعيرة الحج لا تكون إلا في المسجد الحرام، وكذلك العمرة.
وأما الثاني: فدليل النظر: ويرجع إلى شيئين:
أما الأول: فهو أن الكافر لا تصح منه العبادات؛ لعدم وجود النية الصحيحة والحالِ الصحيح في العبادة. وهذا مُجْمع عليه عند الفقهاء، كما حكاه ابن عبد البر في [التمهيد] وكذا الموفق في [المغني] وجماعة.