البشارة الثامنة عشر: قول إشعياء في الفصل الرابع والعشرين: (اعبروا اعبروا الباب، وردوا الطريق على الأمة، وسهلوا السبيل وذللوها، ونحوا الحجارة عن سبيلها، وارفعوا للأمة علمًا ومنارًا، فإن الرب أسمع نداءه من في أقطار الأرض، فقل لابنه صهيون إنه قد قرب مجيء من يخلصك، وأجره معه، وعمله قدامه، ويسمون شعبًا طاهرًا، يخلصهم الرب، وتسمين أنت أيتها القرية التي أدال الله لها من أعدائها ولم يخذلها ربها) وهذه البشارة شاهدة ومؤكدة للبشارة السابقة لإشعياء التي سبق إبرادها تحت مسمى البشارة التاسعة.
ويماثل قول إشعياء أسمع نداءه من في أقطار الأرض. قوله صلى الله عليه وسلم عن هذا الدين: (لا يبقي على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام، بعز عزيز، أو بذل ذليل: إما يعزه الله فيجعلهم من أهلها، أو يذلهم الله فيدينون لها.
أما قوله: فقل لابنة صهيون إنه قد قرب مجيء من يخلصك. فهو شاهد على أن هذا المخلص هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه ذكر شيئا من صفاته، وهو أن أجره معه فهو لا يبتغي على رسالته أجرًا من أحد سوى الله، كما أنه لا يعمل لدنياه بل يعمل لآخرته فعمله أمامه، ولم تتخلص ابنة صهيون - ولعل ذلك تعبير عن بيت المقدس - من ربقة السيطرة اليهودية، وضلال الوثنية النصرانية إلا على يد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهو الذي ألبسها حلة الإيمان، وكساها رونق التوحيد، وكشف عنها ستار الجهالة. ويؤكد اختصاص هذه الأمة بهذه البشارة قوله: (ويسمون شعبا طاهرًا ... وتسمين أيتها القرية التي أدال الله لها من أعدائها) . فذكر حالهم وهو الطهارة، ولعنايتهم به جعله اسمًا لهم، وهذا موافق لقوله - صلى الله عليه وسلم: (أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء) . وأشار إلى موطنهم وهو مكة، فهي القرية وهي أم القرى.