يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده كأن ما أعطاهم الله يؤخذ من ماله وخزانته على أنه ليس بينه وبينهم عداوة ، وهذا ليس له سبب إلا التعمق في الخبث والرذالة والنذالة والخساسة في الطبع اللئيم ؛ ولذلك يعسر معالجة هذا السبب لأنه ظلوم جهول وليس يشفي صدره ويزيل حزازة الحسد الكامن في قلبه إلا زوال النعمة فحينئذ يتعذر الدواء أو يعز ومن هذا قول بعضهم:
وكل أداويه على قدر دائه ... سوى حاسدي فهي التي لا أنالها
وكيف يداوي المرء حاسد نعمة ... إذا كان لا يرضيه إلا زوالها
وهذا النوع من الحسد أعمها وأخبثها إذ ليس لصاحبه راحة ولا لرضاه غاية. فإن اقترن بشر وقدرة كان بورًا وانتقامًا ، وإن صادف عجزًا ومهانة كان جهدًا وسقامًا.
وقال عبد الحميد:"الحسود من الهم كساقي السم فإن سرى سمه زال عنه همه". أما الأسباب الأخرى فيتصور إزالتها في المعالجة.
8-ظهور الفضل والنعمة على المحسود: بحيث يعجز عنه الحاسد فيكره تقدمه فيه واختصاصه به فيثير ذلك حسدًا لولاه لكف عنه ، وهذا أوسطها لأنه لا يحسد إلا كفاء نم دنا ، وإنما يختص بحسد من غلا .وقد يمتزج بهذا النوع ضرب من المنافسة ولكنها مع عجز فصارت حسدًا.
وأعلم أنه بحسب فضل الإنسان وظهور النعمة عليه يكون حسد الناس له فإن كثر فضله كثر حساده ، وإن قل قلوا ؛ لأن ظهور الفضل يثير الحسد وحدوث النعمة يضاعف الكمد ؛ ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «استعينوا على قضاء الحوائج بسترها فإن كل ذي نعمة محسود» .