وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقنُ دمائهم وأموالِهم وأهلِهم واحترامُها، وجريانُ أحكامِ المسلمين عليهم من التوارث وغيرها.
وأما الأمم النائية عنه فإن الله _سبحانه_ رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض؛ فأصاب كلَّ العالمين النفعُ برسالته.
الوجه الثاني: أنه رحمة لكلِّ أحدٍ، لكنَّ المؤمنين قبلوا هذه الرحمة؛ فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها؛ فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة، لكن لم يقبلوها كما يقال: هذا دواء لهذا المرض، فإن لم يستعمله لم يخرج عن أن يكون دواءًا لهذا المرض+ [1] .
وقال الشيخ ابن عاشور×في تفسير الآية: =فجاءت هذه الآية مشتملة على وصف جامع لبعثة محمد"."
ومزيَّتُها على سائر الشرائع مزيةٌ تناسبُ عمومَها ودوامها، وذلك كونُها رحمةً للعالمين+ [2] .
إلى أن قال×: =وتفصيل ذلك يظهر في مظهرين: الأول تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة، والثاني إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته.
فأما المظهر الأول: فقد قال فيه أبو بكر محمد بن طاهر القيسي الإشبيلي أحد تلامذة أبي علي الغساني وممن أجاز لهم أبو الوليد الباجي من رجال القرن الخامس: =زيَّن الله محمدًا"بزينة الرحمة؛ فكان كونه رحمةً، وجميع شمائله رحمة وصفاته رحمة على الخلق+ا _ هـ."
ذكره عنه عياض في الشفاء، قلت: يعني أن محمدًا"فُطِر على خلق الرحمة في جميع أحوال معاملته الأمة؛ لتتكون مناسبة بين روحه الزكيةِ وبين ما يُلقى إليه من الوحي بشريعته التي هي رحمة حتى يكون تَلَقِّيْهِ الشريعةَ عن انشراح نفس أن يجد ما يوحى به إليه ملائمًا رغبته وخلقه، قالت عائشة: =كان خلقه القرآن+ [3] ."
(1) _ جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام لابن القيم ص9.
(2) _ تفسير التحرير والتنوير 7/164_165.
(3) _ مسلم (746) .