وقال×: =أرسل محمد"مفطورًا على الرحمة؛ فكان لينُه رحمةً من الله بالأمة في تنفيذ شريعته بدون تساهل وبرفق وإعانة على تحصيلها؛ فلذلك جعل لينه مصاحبًا لرحمةٍ من الله أودعها الله فيه؛ إذ هو قد بعث للناس كافة، ولكن اختار الله أن تكون دعوته بين العرب أول شيء لحكمة أرادها الله _تعالى_ في أن يكون العرب هُمْ مُبَلِّغَ الشريعة للعالم."
والعرب أمة عرفت بالأنفة، وإباء الضيم، وسلامة الفطرة، وسرعة الفهم.
وهم المتلقون الأولون للدين؛ فلم تكن تليق بهم الشدة والغلظة، ولكنهم محتاجون إلى استنزال طائرهم في تبليغ الشريعة لهم؛ ليتجنبوا بذلك المكابرةَ التي هي الحائل الوحيد بينهم وبين الإذعان إلى الحق.
وورد أن صفح النبي"وعفوه ورحمته كان سببًا في دخول كثير في الإسلام، كما ذكر بعض ذلك عياض في كتاب الشفا+ [1] ."
وقال الله _عز وجل_ مبينًا شمول الرحمة للعالمين بإرسال الرسول": [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] (الأنبياء:107) ."
فجاءت هذه الآية مُؤَكِّدةً للرحمة بأسلوب من أقوى أساليب التأكيد، ألا وهو أسلوب الحصر، وأداتُه هنا النفي والاستثناء؛ فدل ذلك على أن الرحمة عامة.
قال ابن القيم×: =وأصح القولين في قوله _تعالى_: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] (الأنبياء:107) أنه على عمومه، وفيه على هذا التقدير وجهان:
أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته، أما أتباعه فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له فالذين عُجِّل قَتْلُهم وموتُهم خيرٌ لهم من حياتهم؛ لأن حياتهم زيادةٌ في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء؛ فتعجيلُ موتِهم خيرٌ لهم من طول أعمارهم في الكفر.
وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرًا بذلك العهدِ من المحاربين له.
(1) _ تفسير التحرير والتنوير 4/145.