الصفحة 208 من 250

(( والنوع الثالث ) ): أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه! ولا يكون المراد فعل المأمور به كما أمر إبراهيم بذبح ابنه، فلما أسلما وتله للجبين حصل المقصود ففداه بالذبح، وكذلك حديث أبرص وأقرع وأعمى، لما بعث الله إليهم من سألهم الصدقة، فلما أجاب الأعمى قال الملك: أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم، فرضي عنك، وسخط على صاحبيك.

فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به، وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك، بدون أمر الشارع، والأشعرية ادّعوا: أن جمع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع، وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة، وهو الصواب (1) أهـ.

ولزيادة البيان فليعلم أن أول من اشتهر عنه بحث هذا الموضوع الجهم بن صفوان الذي وضع قاعدته المشهورة: (( إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع ) ) (2) ، وبنى على ذلك أن العقل يوجب ما في الأشياء من صلاح وفساد، وحسن وقبح، وهو يفعل هذا قبل نزول الوحي، وبعد ذلك يأتي الوحي مصدقًا لما قال به العقل من حسن بعض الأشياء وقبح بعضها، وقد أخذ المعتزلة بهذا القول ووافقهم عليه الكرامية (3) .

وَمِنْ ثَّم وقع الخلاف حوله على ثلاثة أقوال:

(1) انظر: مجموع الفتاوى (8/434-436) .

(2) الملل والنحل (1/88) ت كيلاني.

(3) انظر: نشأة الفكر الفلسفي للنشار (1/346) ، والتجسيم عند المسلمين - مذهب الكرامية سهير مختار- (ص:363) ، موقف ابن تيمية من الأشاعرة 3/1319.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت