(( وما فعلوه قبل مجيء الرسل كان سيئًا وَقُبْحًا وشرًا، ولكن لا تقوم عليهم الحجة إلا بالرسل: هذا هو قول الجمهور. وقيل: إنه لا يكون قبيحًا إلا بالنهي، وهو قول من لا يثبت حَسَنًا و لا قَبيحًا إلا في الأمر والنهي، كقول جهم والأشعري ومن تابعه من المنتسبين إلى السنة وأصحاب مالك والشافعي وأحمد كالقاضي أبو يعلي وأبي الوليد الباجي، وأبي المعالي الجويني وغيرهم، والجمهور من السلف والخلف على أن ما كانوا فيه قبل مجيء الرسل من الشرك والجاهلية كان شيئًا قبيحًا وكان شرًا، ولكنْ لا يستحقون العذابَ إلا بعد مجيء الرسول. ولهذا كان للناس في الشرك والظلم والكذب والفواحش ونحو ذلك ثلاثة أقوال:
(( قيل ) ): إن قبحها معلوم بالعقل، وأنهم يستحقون العذاب على ذلك في الآخرة، وإن لم يأتهم الرسول، كما يقول المعتزلةُ، وكثيرٌ من أصحاب أبي حنيفة، وحكوه عن أبي حنيفةَ نفسِهِ، وهو قول أبي الخطاب، وغيره.
(( وقيل ) ): لا قبح، ولا حسن، ولا شر فيهما قبل الخطاب، وإنما القبيح ما قيل فيه لا تفعل، والحسن ما قيل فيه افعل، وأما ما أذن في فعله كما تقوله الأشعرية، ومن وافقهم.
(( وقيل ) ): إن ذلك سيء، وشر، وقبيح؛ قبل مجيء الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لكن العقوبة إنما تستحق بمجيء الرسول. وعلى هذا عامة السلف، وأكثر المسلمين، وعليه يدل الكتاب والسنة فإن فيهما بيان أن ما عليه الكفار هو شر وقبيح، وسيئ قبل الرسول وإن كانوا لا يستحقون العقوبة إلا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - (1) .
(1) انظر: مجموع الفتاوى 11/676 ، 677.، وانظر: المسألة أيضًا 8/90 ، 91 من مجموع الفتاوى، 3/114-116 مجموع الفتاوى، شرح النونية لابن عيسى (ص:58-64/1) مفتاح دار السعادة 2/3 وما بعدها مدارج السالكين 1/231 ، 237