ومن قواعد الشورى المؤسسية:
[1] التزام الأقلية برأي الأغلبية في التخطيط والتنفيذ اتباعًا للسُنّة النبوية وسُنّة الخلافة الراشدة (الشورى في واقعة أُحُد، والشورى في حروب الردة) .
[2] ثم إنّ الحاكم مسؤول عن أخطائه يحاسب عليها.
وقد استقرّت هذه القواعد في تجربتنا السودانية دستورًا وممارسةً وتطبيقًا وقانونًا ونظامًا ولوائح، حتى أنّ نصّ البيعة يتضمن التزام الرئيس بالشورى، وهكذا أداء القَسَم للرئيس ومن يليه من كل ذي ولاية ومسؤولية.
[7] الشورى والبيعة:
تُعَدّ البيعة من مباحث الشورى، من حيث يجري اختيار الحاكم وفق الشورى سواء في البيعة الخاصة من أهل الحل والعقد، وهذه تقتضي الشورى الخاصة بينهم، أو في البيعة العامة وهي تعبير عن الشورى العامة.
والمعوّل عليه هو أنْ تكون الشورى مقدمة للبيعة، حتى يكون اختيار الحاكم عن رضا وقبول من الخاصة والكافة. وفي عقد البيعة نفسه ما يحد من استبداد الحكم الفردي، حيث يلتزم الحاكم بطاعة الله تعالى وذلك بطاعة أمره في الشرع، قرآنًا وسُنّة وإجماعًا، كما يلتزم المحكومون بطاعة ولي الأمر ما دام هو طائعًا لله تعالى.
وقد عَبَّرَ الخليفة الأول أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - عن عقد البيعة بقوله من خطبته الأولى عقيب مبايعته: [أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإنْ عصيته فلا طاعة لي عليكم] [1] .
وهو عقد من أرفع مبادئ الحكم الصالح، حيث الحاكم والمحكوم كلاهما محتكمان لمرجعية (دستورية) واحدة، هي مناط العدل والإحسان.
والمراد بالبيعة في هذا المقام؛ أنها عقد وميثاق وعهد بالقول (وربما مع المصافحة، أو الكتابة) على التزام الطاعة واجتناب المعصية.
والناظر في السيرة النبوية يجد فيها أنّ البيعة تقع بثلاث صور:
الأولى: بيعة المقالة، وتكون بالقول، وهي الأصل والغالب في البيعات، وقد تكون معها مصافحة، أو معاهدة برفع الأيدي.
والثانية: بيعة الوكالة، ولها أمثلة كبيعة العقبة، وبيعة ضماد - رضي الله عنه - عن قومه، فقد جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: (هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الإِسْلامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: وَعَلَى قَوْمِكَ؟ قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي) [2] .
والثالثة: بيعة الكتابة، كبيعة عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - لعبد الملك بن مروان حيث كتب إليه يعلن له ببيعته وبيعة أبنائه، فقال في كتابه:"إِنِّي أُقِرُّ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَعْتُ،"
(1) عبد العزيز الثعالبي: خلافة الصديق والفاروق - رضي الله عنهما -، تحقيق الدكتور صالح الخرفي، دار ابن كثير دمشق - بيروت، الطبعة الأولى 1418هـ - 1998م، ص62.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم 8436.