ودولة الإسلام حصن حصين للأقليات التي تعيش في كنفها وبين مواطنيها، لا سيما حين تكون هذه الأقليات أهل كتاب أو أهل ذمة كما يسميهم الإسلام. وأهل الذمة من غير المسلمين هم من كانت حقوقهم مصانة في ذمة المسلمين. والمسلمون مأمورون بحماية الحرية الدينية والدفاع عنها لأنفسهم ولغيرهم. وهو أمر منصوص عليه فيما يقرءونه في كتاب الله تعالى من سياق آيات مشروعية الجهاد {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 39 - 40] .
ومن ذلك العهد للنصارى كما يلي: للسيد الحارث بن كعب، ولأهل ملته، ولجميع من ينتحل دعوة النصرانية في شرق الأرض وغربها. أعطيهم عهد الله وميثاقه أنْ أحفظ أقاصيهم، وأحمي جانبهم، وأذب عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم، وأنْ أدخلهم في ذمتي وأماني، ولا يهدم بيت من بيوت بيعهم، ولا يدخل شيء من بنائهم في شيء من أبنية المساجد ولا منازل المسلمين، فمن فعل ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله" [1] ."
عهد عمر لنصارى المدائن وفارس:
(أما بعد، فإني أعطيتكم عهد الله وميثاقه، على أنفسكم وأموالكم وعيالكم ورجالكم، وأعطيتكم أماني من كل أذى، وألزمت نفسي أنْ أكون من ورائكم ذابًا عنكم كل عدو يريدني بسوء وإياكم، وأنْ أعزل عنكم كل أذى، ولا يغير أسقف من أساقفتكم ولا رئيس من رؤسائكم، ولا يهدم بيت من بيوت صلواتكم، ولا يدخل شيء من بنائكم إلى بناء المساجد ولا إلى منازل المسلمين، ولا تكلفوا الخروج مع المسلمين إلى عدوهم لملاقاة الحرب، ولا يجبر أحد من النصارى على الإسلام عملًا بما أنزل الله في كتابه {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] . ولي شرط عليهم: ألاّ يكون أحد منهم عينًا لأهل الحرب على أحد من المسلمين في سر ولا علانية، ولا يؤوا في منازلهم عدوًا للمسلمين، ولا يدلوا أحدًا من الأعداء ولا يكاتبوه .. إلخ") [2] ."
وهذا هو (أزبك خان) وهو أول من أدخل الإسلام إلى روسيا وكان شديد التحمس له، ودائب الدعوة إليه، علّمه الإسلام كيف يكون التسامح وغرس فضيلته في فؤاده فتسامح مع رعاياه من المسيحيين ومنحهم الحرية التامة في إقامة شعائرهم، وسمح لهم بالتبشير بدينهم ونشره في بلاده، وحرّر بهذا وثيقة تقول:"إنّ كنيسة بطرس مقدسة، ولا يحل لأحد أنْ يتعرض لها، أو لأحد من رجالها بسوء، ولا أنْ يستولي على شيء من عقارها أو متاعها، ولا أنْ يتدخل في أمورها. ومن خالف أمرنا هذا بالتعدي عليها فهو مجرم أمام الله، وجزاؤه منا القتل" [3] .
(1) د. محمد حميد الله: مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة، دار النفائس، ط/4، 1403هـ - 1983م، ص 175 - 176.
(2) د. محمد حميد الله: مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة، المصدر نفسه، ص 488.
(3) انظر د. حسن إبراهيم، التاريخ السياسي للإسلام، ج/1.