الثالث: ما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في الأنصار كانت تكون المرأة مقلاةً فتجعل على نفسها أن عاش لها ولد أن تهوّده, فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا لا ندع أبناءنا فأنزل الله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) قال أبو داود: المقلاة التي لا يعش لها ولد, وفي رواية: إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى دينهم أفضل مما نحن عليه أما إذا جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه؛ فنزلت: (لا إكراه في الدين) من شاء التحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام وهذا قول سعيد بن جبير والشعبي ومجاهد، إلا أنه قال: كان سبب وجودهم في بني النضير الاسترضاع قال النحاس: قول ابن عباس في هذه الآيات أولى الأقوال لصحة السند وأن مثله لا يؤخذ بالرأي" [1] ."
وقال ابن عطية رحمه الله في تفسير هذه الآية:"الدين في هذه الآية المعتقد والملّة بقرينة قوله: (قد تبين الرشد من الغي) والإكراه الذي في الأحكام من الأيمان والبيع والهبات وغير ذلك ليس هذا موضعه وإنما يجئ في تفسير قوله تعالى: (إلاّ من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان) فإذا تقرر أن الإكراه المنفي هذا هو تفسير المعتقد من الملل والنحل, فاختلف الناس في معنى الآية, فقال الزهري: سألت زيد بن أسلم عن قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحدًا في الدين فأبى المشركون إلاّ أن يقاتلوهم فاستأذن الله في قتالهم فأذن له قال الطبري: والآية منسوخة في هذا القول."
قال: ويلزم على هذا أن الآية مكية وأنها من آيات الموادعة التي نسختها آية السيف.
(1) الجامع لأحكام القرآن ج3/28.