ثم قال: وأما المسألة الحادية عشرة وهي أن هذه الأخبار بأن لهم دينهم وله دينه, هل هو إقرار فيكون منسوخًا أو مخصوصًا؟ أو لا نسخ في الآية ولا تخصيص؟ فهذه مسألة شريفة من أهم المسائل المذكورة وقد غلط في السورة خلائق وظنوا أنها منسوخة بآية السيف لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم، وظن آخرون أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب، وكلا القولين غلط محض فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة عمومها نص، وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها فإن أحكام التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه وهذه السورة أخلصت التوحيد, ولهذا تسمى سورة الإخلاص كما تقدم، ومنشأ الغلط ظنّهم أن الآية اقتضت إقرارهم على دينهم ثم رأوا أن هذا الإقرار زال بالسيف, فقالوا: منسوخ وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار، وهم من لا كتاب لهم فقالوا هذا مخصوص, ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريرًا لهم أو إقرارًا على دينهم أبدًا بل لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد على الإنكار عليهم تعييب دينهم وتقبيحه والنهي عنه والتهديد والوعيد كل وقت وفي كل ناد، وقد سألوه أن يكف عن ذكر آلهتهم وعيب دينهم ويتركوه وشأنه, فأبى إلاّ مضيًا على الإنكار عليهم وعيب دينهم، فكيف يقال إن الآية اقتضت تقريره لهم؟ معاذ الله من هذا الزعم الباطل وإنما الآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم وأن ما هم عليه من الدين لا نوافقهم عليه أبدًا؛ فإنه دين باطل فهو مختص بكم لا نشرككم فيه ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق، فهذه غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار حتى يدعى النسخ أو التخصيص؟ أترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال لكم دينكم ولي دين؟ بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يُطهِر الله منهم عباده وبلاده, وكذلك حكم هذه