الصفحة 29 من 34

وكل شيئين متغايرين، لا يتضمن إثبات أحدهما إثبات الآخر، ولا نفي أحدهما متضمن نفي الآخر.

وليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ولا من ضرورة عدمه عدمه، مثل الري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والموت وجز الرقبة. بل يجوز عند الغزالي وقوع الملاقاة بين القطن والنار دون الاحتراق، ويجوز انقلاب القطن رمادًا محترقًا دون ملاقاة النار، والفلاسفة ينكرون ذلك ويدّعون استحالته.

والنار ليست فاعلًا بالطبع، لا يمكنه الكف عما هو طبعه بعد ملاقاته لمحل قابل له كما يقول الفلاسفة، بل فاعل الاحتراق هو الله، بواسطة الملائكة أو بغير واسطة. ولا دليل على أن النار فاعل، سوى مشاهدة حصول الاحتراق عند ملاقاة النار، لكن المشاهدة تدل على الحصول عنده لا على الحصول به. والأكمه الذي تنكشف الغشاوة عن عينه نهارًا فيرى الألوان، يظن أن فاعل الإدارك عنده فتح البصر، حتى إذا غابت الشمس علم أن سبب انطباع الألوان في بصره نور الشمس، إذن من أين يأمن الخصم أن تكون علل الحوادث وأسبابها في مبادىء الوجود، تفيض عنها عند حصول الملاقاة بينها؟.

وإن سلّم الفلاسفة أن الحوادث تفيض عن مبادئها؛ فإن هذا الفيض باللزوم والطبع، لا لا على سبيل التروي والاختيار، كصدور الشعاع من الشمس، فتفترق المحال في قبوله بحسب استعداداتها، فالجسم الصقيل يقبله ويعكسه والهواء لا يمنع نفوذه، وبعض الأشياء تلين به، وبعضها يتصلّب، والثوب يبيض والوجه يسود. فالمبدأ واحد والآثار مختلفة لاختلاف استعدادات القوابل، وعلى هذا المعنى أنكر الفلاسفة وقوع إبراهيم في النار مع عدم الاحتراق؛ لأن ذلك لا يمكن إلا بسلب الحرارة من النار، وذلك يخرجه عن كونه نارًا، أوبقلب ذات إبراهيم وبدنه حجرًا حتى لا تؤثر فيه النار، ولا هذا ممكن ولا ذاك.

وإذا أنكر لزوم المسببات عن أسبابها، وأضيفت إلى إرادة مخترعها، جاز انقلاب الكتاب غلامًا، والرماد مسكًا، والحجر ذهبًا؛ لأن هذا ممكن والله قادر على كل شيء ممكن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت