الصفحة 27 من 34

وحال حصوله بأنه كائن وبعد حصوله بأنه كان وليس كائنًا الآن. وبما أن التغير محال على الله، فهو بزعم الفلاسفة لا يختلف حاله في هذه الأحوال الثلاثة. وهو يعلم الكسوف وجميع صفاته وعوارضه، علمًا يتصف هو به في الأزل، فلا يعزب عن علمه شيء، لكن علمه بهذه الأحوال، قبل الكسوف وحالة الكسوف وبعد الانجلاء، على وتيرة واحدة لا يختلف ولا يوجب تغيرًا في ذاته.

فجميع الحوادث منكشفة للباري، انكشافًا واحدًا متناسبًا لا يؤثر فيه الزمان. وفيما يخص الأشياء المنقسمة بالمادة والمكان، كأشخاص الناس والحيوانات فهو يعلمها بشكل كلي، كأن يعلم الإنسان المطلق بعوارضه وخواصه وقواه. أما شخص زيد مثلًا فلا يعلم عوارضه؛ لأنها داخلة في المحسوسات، فلو أطاع زيد الله أو عصاه لم يكن الله عالمًا بما يتجدد من أحواله بل يلزم من قول الفلاسفة أن يكون محمد قد تحدى بالنبوة، والله لا يعلم في تلك الحالة أنه تحدى بها؛ لأنه يعلم فقط أن من الناس من يتحدى بالنبوة، وأن صفاته يجب أن تكون كذا، أما النبي المعين بشخصه فلا يعرفه."وهذه قاعدة اعتقدوها، واستأصلوا بها الشرائع بالكلية" [1] .

واعترض الغزالي على الفلاسفة من وجهين:

الأول: إذا كان غرضهم نفي التغير عن الله وهو متفق عليه، فما المانع أن يعلم الله الكسوف بأحواله الثلاثة، قبل وجوده وحال كونه وبعد انجلائه، بعلم واحد في الأزل والأبد لا يتغير؟ وأن تنزل منه هذه الاختلافات منزلة الإضافة المحضة؟ كأن يكون الشخص على يمينك، أو قدامك، أو إلى شمالك، وهذه إضافات تتعاقب عليك، والمتغير هو ذلك الشخص دونك.

وليس من الضروري أن يحصل من العلم بالكون، والانقضاء بعده، تغيّر. فلو خلق الله لنا علمًا بقدوم زيد غدًا عند طلوع الشمس، لكنا عند طلوع الشمس عالمين بمجرد العلم السابق بقدومه، ونعلم بعده بنفس العلم أنه قدم. والعلم الواحد كاف للإحاطة بهذه الأحوال الثلاثة. وإذا جاز أن لا يوجب العلم بالأنواع والأجناس والعوارض الكلية تغيرًا، يجوز أن لا يوجب العلم بأحوال الشيء الواحد المنقسم بانقسام الزمان

(1) - السابق 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت