وكتاب الله يعلّمنا أن إبراهيم لم يشكّ في قدرة الله، بل يُضرَب بإيمانه المثل، ولذا سُمّي أبو المؤمنين. ولما أمره الله أن يقدم ابنه وحيده ذبيحةً أطاع الأمر، مع أنه كان هَرِمًا وامرأته متقدمة في السن، ولكنه آمن أن الله قادرٌ أن يقيم من الحجارة أولادًا له. ولما وعده الله أنه سيُكثر نسله ويكون كنجوم السماء في الكثرة آمن بالله، فوعده أن يعطيه أرض الميعاد، ثم أعطاه هذه العلامة وهي أن يأخذ عجلة ثلاثية وعنزة ثلاثية وكبشًا ثلاثيًا ويمامةً وحمامة. فأخذها وشقَّها من الوسط، وأما الطير فلم يشقه. ثم غابت الشمس فصارت العتمة، وإذا تنّور دخانٍ ومصباح نارٍ يجوز بين تلك القطع (سفر التكوين 15) . فهذه الذبيحة هي لتأييد العهد الذي عقده الله مع إبراهيم، فكانت العادة عند قطع عهد أن يذبحوا الذبيحة إشارة إلى أن من ينكث العهد يمزّقه سيف العدل الإلهي، فالله سبحانه تفضّل وأعطاه هذه العلامة لتأييد العهد وتثبيت إيمانه، وإنه سينجز ما وعده به.
وفي القصة أربعة أخطاء (1) في قوله إن إبراهيم طلب من الله أن يريه كيف يُحيي الموتى وإنه شكّ بالله. (2) في قوله إن الله أمر أن يأخذ أربعة طيور، والحقيقة خلاف ذلك (3) في قوله إن الطيور أتت سعيًا. (4) في قوله إن الله أمر أن يضع كل جزءٍ منها على جبل.
وواضح أن الأحوال لم تساعد محمدًا على تحرّي الحقائق، فلم يكن عصره عصر تمدّنٍ ومطابع، كما أن كُتَّابه كانوا يتصرَّفون فيما يُمليه عليهم. ذكر في السيرة للعراقي أن كتّابه كانوا اثنين وأربعين، منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري، وهو أول من كتب له من قريش بمكة ثم ارتد، وصار يقول: كنت أصرف محمدًا حيث أريد. كان يملي عليّ عزيز حكيم، فأكتب عليم حكيم فيقول: نعم، كلٌّ صواب . ويقول: اكتب كيف شئت . ولما فضحه هذا الكاتب أورد في القرآن قوله:"فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ; (الأعراف 7: 37) . ولما كان يوم الفتح أمر محمدٌ بقتله، ففرَّ إلى عثمان بن عفان لأنه كان أخاه من الرضاعة (أرضعت أمُّه عثمانَ) فغيَّبه عثمان عنه، ثم جاء به بعد ما اطمأن الناس واستأمن له محمدًا، فصمت محمد طويلًا ثم قال نعم . فلما انصرف عثمان قال محمد لمن حوله: ما صمتُّ عنه إلا لتقتلوه ."
الرد
وسيدنا إبراهيم عليه السلام حفظ الأدب مع الله ، فإنه أثنى على الله أولًا بقوله { رَبّ } ثم دعا حيث قال: { أَرِنِى } ... وهذا تأكيد أن سيدنا ابراهيم عليه السلام مؤمن بالله لقول قبل ذي بدأ { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ } .... فصاحب الشبهة جاهل
لأننا ما سمعنا أن هذه الشبهة أثارها عرب الجاهلية في عصر زول الوحي .
ذكروا في سبب سؤال إبراهيم: ما قاله قوم من الجهال، وهو أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان شاكًا في معرفة المبدأ وفي معرفة المعاد، أما شكه في معرفة المبدأ فقوله { هَذَا رَبّى } وقوله { لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالّينَ }
[الأنعام: 77]
وأما شكه في المعاد فهو في هذه الآية، وهذا القول سخيف، بل كفر وذلك لأن الجاهل بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى كافر، فمن نسب النبي المعصوم إلى ذلك فقد كفر النبي المعصوم، فكان هذا بالكفر أولى، ومما يدل على فساد ذلك وجوه أحدها: قوله تعالى: { أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } ولو كان شاكًا لم يصح ذلك
وثانيها: قوله { وَلَكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } وذلك كلام عارف طالب لمزيد اليقين، ومنها أن الشك في قدرة الله تعالى يوجب الشك في النبوّة فكيف يعرف نبوّة نفسه.
/أما قوله تعالى: { أَوَلَمْ تُؤْمِن } ففيه وجهان
أحدهما: أنه استفهام بمعنى التقرير، قال الشاعر:
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح
والثاني: المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه عليه السلام كان مؤمنًا بذلك عارفًا به وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر.
أما قوله تعالى: { قَالَ بَلَى وَلَاكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } فاعلم أن اللام في { لّيَطْمَئِنَّ } متعلق بمحذوف، والتقدير: سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب، قالوا. والمراد منه أن يزول عنه الخواطر التي تعرض للمستدل وإلا فاليقين حاصل على كلتا الحالتين.
وهاهنا بحث عقلي وهو أن التفسير مفرع على أن العلوم يجوز أن يكون بعضها أقوى من بعض، وفيه سؤال صعب، وهو أن الإنسان حال حصول العلم له إما أن يكون مجوزًا لنقيضه، وإما أن لا يكون، فإن جوّز نقيضه بوجه من الوجوه، فذاك ظن قوي لا اعتقاد جازم، وإن لم يجوز نقيضه بوجه من الوجوه امتنع وقوع التفاوت في العلوم.
واعلم أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا قلنا المطلوب هو حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء، أما لو قلنا: المقصود شيء آخر فالسؤال زائل.
سفر العدد 20