الناسى، ويرق القاسى، فلو كانت بيئة مليئة بالأقذار، لقد عرض لها من فيوض الهداية، ما يغسل أدرانها، ويجعل الوصول إلى الحق في متناول كل نفس . . ومن الذى قدم معالم هذا الحق للناس؟ نبى صدوق نزيه، ليس بعد شرحه إيضاح، ولا بعد تلطفه حلم، ولا بعد تجرده خلاص . . أسلوبه في التعليم يتبع هذا النسق: إننى ألفتكم عن الباطل الذى توارثتموه، وأعرفكم أن ربكم واحد وهو الله الذى خلقكم ورزقكم، فيجب أن تؤمنوا به، وتعملوا له. لقد علمنى هذه الحقيقة وأنا بدورى أعلمكم إياها. وبذلك نصبح سواسية في إدراكها، فليس لأحد منكم ـ بعد ـ أن يعتذر بجهل، أو يحتج بقصور . وإذا أبيتم إلا العناد، فاحذروا غضب الله عليكم، وهو غضب قد يبغتكم في أية لحظة، ما دمتم تستكبرون عن اتباع الحق . هذه المعانى هى التى يفهمها المشركون من خواتيم سورة الأنبياء التى جاء فيها: (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون * فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون * إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون * وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين * قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) . انظر إلى الدعاء الضارع الأخير، لقد جاء بعد تهديد يعلن الرسول أنه لا يعرف وقته، ولا كنهه، لأنه ليس منه، بل من الله الذى يسىء إليه أولئك الكافرون . وهو وحده الذى سوف يحق الحق ويبطل الباطل . وقد فعل جل شأنه.... من آثار رحمة الله بالناس أن يحلم عليهم حتى يعرفوا الحق في أناة وتريث فهو يعطيهم مهلة بعد مهلة ليتركوا الضلال . ص _019