ويحيا وبالقرب منه مزالق قلما تقفه على الصراط المستقيم إلا قليلًا . وقد شاء الله ـ تبارك اسمه ـ أن يضع كل هذا في سياسة التعريف به والدعوة إليه . فلم ينتظر من الجماهير أن تستجيب لرسوله فور سماعها له . ومن ثم أوجب عليه أن يبذر ، وأن يترك النضج لزمان لا يعرف مداه ، زمان يصحو فيه الغافل على مهل ، زمان يعطى المخطئ فرصًا كثيرة للعودة إلى الصواب ، زمان تنحل فيه العقد المنحدرة مع الوراثة ، أو الواقدة مع البيئة ، زمان تمحى فيه الأعذار التى أقامتها الحياة الفاسدة ، وسيطرت بها على المشاعر والأهواء . وذلك سر الوصايا الرقيقة التى حفل بها القرآن الكريم صدر الدعوة الأولى: (فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر) (وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل) (فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون) (واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا) هذه الآيات التى نزلت في عبدة الأصنام بمكة ، جاء مثلها في أهل الكتاب بالمدينة: (فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا) (ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين) وهى كلها تدور على محور واحد: التراخى مع الجهال والضلال ، حتى تنفك عنهم القيود التى غلت حريتهم العقلية ، وتنجاب الغيوم التى جعلت أذهانهم لا تلتقط للحقائق صورًا صحية ، وعندما يبلغ المدعوون هذه المرحلة ويرفضون مع ذلك الانقياد للحق ، فإن إمكان القسوة في معاملتهم يصح التفكير فيه ، وهم عندما يعاقبون لا يقوم لهم عند الله ولا عند أنفسهم عذر . ص _017