الصفحة 8 من 645

ويقف الباحث عن الحقيقة حائرًا ، فإن الحقيقة لا يمكن إلا أن تكون واحدة ، فأما أن المسيح عليه السلام يكون قد صلب وأما أنه لم يصلب ، وأما أن يكون قد صلب ولم يصلب معًا فهذا محال ، ثم أنه أما أن يكون هو الله وأما أنه ليس هو الله ، أما أن يكون هو الله وليس هو الله في آن واحد فهذا محال ، فما هي الحقيقة بين كل ذلك ، هل هو قد صلب حقًا أم لم يصلب ، وهل هو الله حقًا أم هو ليس إلهًا على الإطلاق .

ومما يزيد الأمر عجبًا وتعقيدًا ، أن المسيحيين حين يكتبون عن المسيح فيقولون أنه قد صلب وأنه هو الله ، فإنما يقولون بأنهم لا يذكرون غير الحقيقة ، بل أنهم ليؤمنون حقًا بأنهم لا يذكرون غير الحقيقة ، والمسلمون كذلك ، فإنهم حين يقولون بأن المسيح عليه السلام لم يصلب وبأنه ليس إلهًا ، فإنما يقولون أيضًا بأنهم لا يذكرون غير الحقيقة ، بل إنهم ليؤمنون حقًا بأنهم لا يذكرون غير الحقيقة ، ولكن ، المحال أن تكون الحقيقة في جانب كلا الطرفين على السواء ، فإلي أي الجانبين تقف الحقيقة ، أو ما هي الحقيقة ، فعلها لا تقف إلى جانب أي منهما.

والواقع ، أن الحقيقة هي ما يهدف إليه كل إنسان ، فلا نتصور إنسانًا يسعي إلى غير الحقيقة ، أو يستهدف ما عداها ، وإيمان الإنسان ، إنما هو الإيمان بما يوقن أنه الحقيقة ، وما دام أن أساس الإيمان اتفاقه مع الحقيقة ، فلا يقبل من إنسان أبدًا أن يخشى الحقيقة أو أن يرفضها ، فما دام موقنًا بأن ما يؤمن به هو ما يطابق الحقيقة فأي عذر له لكي يرفضها أو يخشاها ، ما دام أن وصوله إليها لن يعني إلا تأكيد إيمانه إن صح ، أو تصحيحه إن لم يصح ، ولهذا كانت الحقيقة ، والحقيقة وحدها ، بين المسيحية والإسلام ، هي عنوان هذا البحث وموضوعه وهدفه وغايته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت