لا وهو الرحمة المهداة، كيف لا وهو الواسطة بين الحقّ والخلق؛ الذين ليس لهم للحق -سبحانه وتعالى- من طرق ومن واسطة إلا به - صلى الله عليه وسلم -.
نقول لا شك أن الأمور العظيمة والآثار الكبيرة -دائمًا أو في الأغلب الأعمّ- يسبقها من الإشارات الدلالات والآيات ما يمهّد له، ما من حدث عظيم إلّا يسبقه أمور تمهِّد لهذا الحدث وتُهيّئ الناس له، وهذا أمر تقديريّ، وتكون تلك الأحداث والإشارات إيذانًا بقرب ميلاد تلك الأمور العظيمة، ولم يسبق البشرية أمر أعظم من ميلاده - صلى الله عليه وسلم -، فكان لا بد أن يهيَّأ العالم ببعض الحوادث التي تلفت أنظار الناس وتوقظ النائمين والغافلين منهم إلى أنّ هناك حدثًا يوشك أن يقع، فكيف بالله عليك إذا كان هذا الحدث هو ميلاده - صلى الله عليه وسلم - الذي كان العالم كلّه يترقّب هذا الميلاد في الشرق والغرب؟
خاصة -كما استعرضنا من قبل- أنّ الأرض كان تغوص حتى آذانها في قمّة الجاهليّة، عربهم وعجمهم، وفي الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم: (وإن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب وقال: إنما بعثتُك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان، وإن الله أمرني أن أُحرق قريشًا، فقلت: ربّ إذًا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزُهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك) [1] .
وهذا الحديث عظيم الشأن طيب الكلم والمعنى، يقول ابن الأثير في (النهاية في غريب الحديث والأثر) :"ومنه الحديث «أوحي إلي أن أحرق قريشا» أي أُهلكهم." [2] فالأمر كناية عن القتل كما في الأثر الآخر (جئتكم بالذبح) .
وقول النبي -عليه الصلاة والسلام- (إذًا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة) ؛ أي يشدخوه ويفتحوه يتركوه كالخبزة من شدة التحطيم لذلك الرأس الشريف، فهو -صلى الله عيله وسلم- يعرف أن الأمر له ضريبة، وله تضحية، فالأمر هو قول يتبعه عمل يُبرهن على صحة هذا القول وعلى صدق، أما الطنطنة الفارغة الجوفاء فهذه لا تسمن ولا تغني من جوع، فإن هذا الكلام من أولئك القوم الذين باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، وهم حملة ميراث الأنبياء والمرسلين!
والحديث كله -خاصّة الجزء الأخير- يدور في قالب الجهاد والقتال والإعداد والتنكيل بأعداء الله، فنحن لسنا أهل ذلّة ومسكنة ولسنا أهل ضعف وخنوع، بل العزة لنا وإن كنا ضعفاء وإن
(1) صحيح مسلم (2865) .
(2) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (1\ 371) .