فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 94

وبعض رحلاته، فعندما رجع مرّ بمَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ؛ فوجدهم يعبدون الأصنام فاستحسن ذلك وظنّه حقًا، فهم بالفعل في منتهى الضلال ويظنون أنهم يُحسنون صنعًا، فرَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فَقَالَ لَهُمْ:"أَلَا تُعْطُونِي مِنْهَا صَنَمًا فَأَسِيرُ بِهِ إلى أرض العرب فيعبدونه؟"، فأعطوه صنمًا يقال له هُبَل الذي أصبح الإله الأعلى عند قريش، فقدم به مكّة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه.

وقيل أنه كان لهذا الرجل رأيًا من الجن، أي كان له جن يتمثل له فيراه ويوحي له من زخرف القول غرورًا، فأتاه فقال له:"عجل السير والظعن من تهامة، بالسعد والسلامة، ائت جدة، تجد فيها أصنامًا مُعدَّة، فأوردها تهامة ولا تهب، ثم ادعُ العرب إلى عبادتها تُجَبْ" [1] .

كذلك كان هناك سبب آخر لعبادة العرب للأصنام ذكره كذلك ابن كثير في (البداية والنهاية) ؛ وهو أنّ بني إسماعيل الذين كانوا يسكنون مكة قبل خزاعة عندما ازدحمت مكة بهم وعندما ازدحم بهم المكان؛ بدأوا يهاجرون من مكة، وبدأوا يسيرون إلى مناطق متفرقة في الجزيرة العربية، فعندما كانوا يخرجون لمكّة، فمن حبّهم وتقديسهم لبيت الله الحرام كانوا يأخذون معهم الأحجار من مكة، فكل قوم يرحلون من مكة يأخذون معهم أحجارًا من البيت الحرام، فعندما يقيمون في مكان ما ينصبون هذه الأحجار ويطوفون حولها وكأنهم يطوفون حول البيت الله الحرام، ثمّ خطوة فخطوة بدأوا يعبدونها من دون الله ربّ العالمين.

ومن أشهر أصنام العرب في تلك الفترة (مناة) وكانت تقع بين مكة والمدينة في منطقة تعرف بالقديد، وكان أكثر من يعظّمها هم الأوس والخزرج، فكان يذبحون عندها ويتقرّبون إليها، بل كانوا لا ينتهون من مناسك الحجّ حتى يذهبوا إليها ويحلقون رؤوسهم عندها.

وكذلك (اللات) وكانت في منطقة الطائف، وكان سدنة اللات هم ثقيف، واللات هذه لها قصّة، كان هناك رجل يلتّ الثريد للحجيج، فلمّا مات هذا الرجل ادّعى عمرو بن لحيّ أنّ هذا الرجل لم يمت وإنّما دخل في هذه الصخرة، وهي كانت صخرة مربعة يجلس عليها اللات ويلتّ الثريد، فصاروا يعبدون هذه الصخرة دون الله ويتقرّبون إليها بالذبح والنذر إلى آخر صور العبادة.

كذلك من هذه الأصنام (العزّى) ؛ والعزى كانت عبارة عن ثلاث شجرات من شرج الطلح، وكان يسمعون منها صوتًا، وبالفعل كما قال أهل السِّيَر كان هناك صوت يخرج من هذا المعبود، وهذه العزّى هي التي قطعها خالد بن الوليد -رضي الله عنه- بعد الفتح، حيث أمره

(1) انظر: كتاب الأصنام للكلبي - ص 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت